فضاءات لتسليع كل شيء والقضاء على الأنسنة وروح المثاقفة

الثلاثاء 2017/10/17
التسوق احتفالية أيضا

لم يكن التسوّق في سوسيولوجيا الإنسان وأنثروبولوجيا المكان والزمان في يوم من الأيام مقصورا على ثنائية العرض والطلب أو البيع والشراء، ولا متقوقعا حول السلعة بحدّ ذاتها، ذلك أنّ التسوّق المباشر وهندسة الأسواق وفعل الارتحال التجاري جسّم مقولة المثاقفة وأصّل للأنسنة في معناها الواسع.

إذ مثلت ظاهرة “السلعنة” إرهاصا لثقافة “التشيئة ” التي حصرت الظواهر الإنسانية والثقافية والاجتماعية في بعد واحد وفي سياق فريد يتحكّم بمقتضاه منطق ومنطوق القائم على الفعل الاقتصاديّ.

جسّدت ظاهرة “السلعنة” معنى الاستيلاب الثقافي والاجتماعي لمقولة الأنسنة، بل الأكثر من ذلك أنّها أصلت لمقاربة اقتصادية كاملة رمت خيوطها على الفلسفة السياسية والإعلامية عبر اعتبار الرأي العامّ مجرّد “سوق” جاهزة للسيطرة والإجهاز عليه بأساليب التحريض والتأثير.

في المقابل، كانت المقاربات الفلسفية والسياسية إيذانا بضرورة إحياء الجوانب الثقافية والفكرية لدى الإنسان، رفضا للقولبة والتنميط الغالبين على فلسفة “السوق” و”التسوّق”.

أن تغرق اليوم مواقع التواصل الاجتماعي بما يسمى منظومات التسوّق الإلكتروني ليس سوى تواصل في مقاربة أشمل عنوانها الأبرز: انتشار ثقافة السوق ومقاربة السلعنة.

لم تجانب أدبيات التصوّر الإنساني للتسوّق الصواب عندما أطلقت على منظومة البيع والشراء عبارة “رحلة التجارة”، ذلك أنّ التجارة تحمل في طياتها منظومة الارتحال والاحتكاك بالثقافات الأخرى.

ثقافة السرعة تسيطر على أنماط الحياة الاجتماعية والنفسية حيث لا مجال للمثاقفة والتفاعل الرمزي والبناء التراكمي والإنساني

كان طريق الحرير بين شرق آسيا وبلاد الشام مسلكا للتجارة وللمثاقفة لا فقط لأنّ التاجر يحمل معه إلى بلدان المقصد أشياء من روح المسامحة ومضامين اللباقة والكياسة بل أيضا لأنه يعود إلى وطنه محمّلا بمياسم التلاقح الحضاريّ.

وعلى شاكلة “طريق الحرير” الذي أصبح اليوم مسلكا سياحيا وموسما سنويا للتعارف الإنسانيّ، مثلت طرق التجارة في آسيا وأوروبا مواسم للمهرجانات واللقاءات والمؤتمرات الإقليمية والدوليّة.

كانت التجارة ولا تزال في سياقات عديدة، قاطرة لجوانب وأبعاد إنسانية أكثر عمقا من ثنائيّة “البيع والشراء”، ذلك أنّ استراتيجيات التفاوض المتبادل ومنظومات الإقناع ومقاربات السجال والمحاججة التي يخوضها التاجر الشاطر مع الزبون الذكيّ جسّدت ملامح الشخصيات القاعدية في أكثر من دولة معروفة بازدهار التجارة لديها.

ذلك أنّ الحفريات السلوكية للإنسان الذي يقطن قريبا من السوق أو الذي اعتاد على مخالطة التجار تؤكّد استبطانه لمياسم النقاش الحجاجي والسجال الإقناعيّ وسرعة البديهة وقوة الارتجال.

وهي بالضبط ارتسامات الشخصية القاعديّة للتجمعات البشرية المتمركزة حول السوق حيث تعرف بشخصياتها التفاوضيّة وقدرتها على احتواء الآخر وتغليبها لمنطق السجال والنقاش، وهو ما ينعكس بالتأكيد على طبائع الدولة الرسمية من حيث قدراتها الدبلوماسية ومقوماتها الناعمة وقدرتها على الخروج من الأزمات السياسية والاستراتيجية بأقل الأضرار، وأهليتها لتأصيل قوّة تفاوضية بعيدة عن أساليب الصدام والتهور والمخاطرة.

وبعيدا عن الجانب السياسي والاستراتيجي، فإنّ التسوّق المباشر جسّد على مدى السنوات محفّزا لاستحثاث المدونة الفنية والغنائيّة لدى الكثير من الشعراء والفنانين من حيث التغني بالمنتوجات والسلع وطريقة تأثيثها وترصيفها.

والحقيقة التاريخية التي تذكرها كتب الشعر والأغاني أنّ الأبيات الشعرية الشهيرة “قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا فعلت بناسك متعبّد” كانت أشعارا طلبها تاجر عراقي متخصص في الألبسة النسائيّة.

وعندما رأى كساد بضاعته ونكوص النسوة عنها، اجترح هذه الطريقة الشعرية الدعائية في استحثاث الطلب النسائيّ على الخُمر السوداء.

وما كان لهذا البائع ولغيره أيضا من الباعة والتجار أن يقدروا على استدرار هذا التأثير الناعم على النسوة لولا احتكاكهم اليومي بعالم العرض والطلب ولولا معرفتهم أيضا بصنوف”سلوك الاستهلاك”.

قراءة منظومات الاقتناع والتفاوض الداخلي قبل اتخاذ قرار الاقتناء جسّدت مدوّنة علميّة وبحثية معتبرة في علم التسويق وفي نظريات الإشهار، والتي باتت اليوم محلّ تشكيك وتنسيب في ظلّ منظومة الاستهلاك السريع والفوريّ.

التسوّق الإلكتروني يعبّر عن “ثقافة السرعة” وعن مقاربات العجلة التي باتت تسيطر على كافة أنماط الحياة الاجتماعية والنفسيّة حيث لا مجال للمثاقفة والتفاعل الرمزي والبناء التراكميّ والإنسانيّ.

12