فضاء الإنترنت الحر يضخم شرنقة الهويات السياسية

خلصت العديد من الدراسات مؤخرا إلى أن أغلب الناس مطلعون على مواقف الآخرين في ما يتعلق بالقضايا الخلافية على شبكة الإنترنت وبشكل خاص السياسية، لكن ذلك لم ينه حالة الاستقطاب السياسي والتقوقع في مجموعات متوافقة الآراء.
السبت 2018/04/21
تغريدات الشخصيات البارزة ليست فعالة دوما

لندن - أبدى مستخدمو الإنترنت في مطلع الألفية انبهارا بالأفق المتحرر الذي أتاحته الشبكة، وتفاءلوا بتعزيز المناخ الديمقراطي بشكل عام، وإنهاء حالة الاستقطاب السياسي والتخندق في مجموعات متماثلة الآراء، غير أن الواقع أثبت أن ذلك ليس إلا مجرد أمنيات.

وحذر كاس سانستين الباحث القانوني الأميركي من الإفراط في التفاؤل، وقال إن هذا الفضاء الواسع قد يساعد على تجاوز عوائق اجتماعية وجغرافية بين البشر، مؤسسا لنظرة أكثر توازنا للعالم، وبنفس القدر قد يؤدي إلى حواجز جديدة مع الاصطفاف في خنادق تجمعنا بمن لهم نفس آرائنا فقط، وتفصلنا عن المخالفين في وجهات النظر، ومصادر المعلومات، وفق ما ذكر ديفيد روبسون في تقرير لبي بي سي.

وغالبا ما يميل الأفراد إلى الانفتاح على آراء متنوعة، متجاوزين تلك التي قد لا توافق توجهاتهم على الإنترنت، أو ما يُعرف بـ”غرف الصدى” الخاصة بمواقع التواصل الاجتماعي، لكن لا يعني ذلك تبنيهم لهذه الآراء أو حتى قبولهم بها. ويشير سانستين إلى أنه “رغم أن الملايين يستخدمون الإنترنت لتوسيع مداركهم، فإن الكثيرين يفعلون خلاف ذلك تماما بقصر مطالعتهم على ما يوافق اهتماماتهم وتحيزاتهم”، وهو ما يخلق ما اصطلح على تسميته بـ”غرف الصدى”، التي تشير إلى حالة التقوقع على الإنترنت، التي تزيد حالة الاستقطاب السياسي بدلا من الحد منها.

ويلاقي مصطلح “غرف الصدى” رواجا متزايدا، ويرى معلقون أن الشبكات الاجتماعية نفسها قد تعزز هذا التخندق. فعلى سبيل المثال، قد يجد موقعا فيسبوك وتويتر أنك تزور أكثر من مرة الأخبار على موقع نيويورك تايمز مقارنة بموقع ديلي ميل، وبالتالي يقدمان لك الأخبار التي تفضلها على هذا الموقع بالتحديد.

وتقول إليزابيث ديبوا، الباحثة بجامعة أوتاوا، إن سبب ذلك هو “الكم الهائل المتوافر من المعلومات الذي لا قبل لأحد باستهلاك المتاح منه. ورغم فائدة هذا الانتقاء التفضيلي إلا أنه ينتهي بالمتلقي في شرنقة يراها ذلك الموقع الأكثر اتفاقا مع قناعاته”.

وتشير دراسات حديثة إلى أنه ربما هناك تهويل من أثر ذلك التقوقع والتعرض الانتقائي للإنترنت على توجه الأفراد. فقد بحث سيث فلاكسمان وزملاؤه بجامعة أوكسفورد سجلات التصفح لـ50 ألف مستخدم للإنترنت بالولايات المتحدة.

وتوصلوا إلى أن المستخدمين كانوا أكثر مطالعة لمواقع مناقضة لقناعاتهم، بما خالف افتراض التقوقع والانتقائية، وتوصلوا أيضا إلى أن الأفراد يطالعون في المجمل وجبة إعلامية أكثر تنوعا.

وجبة إعلامية متنوعة
وجبة إعلامية متنوعة

ويقول فلاكسمان، الذي يعمل حاليا بجامعة إمبيريال كوليدج بلندن، “بدا الأمر مخالفا للمتوقع، فبينما يقتصر التصفح المباشر عادة على مصدرين يرتادهما الفرد؛ بي سي، وسي إن إن مثلا، تطالعك مواقع التواصل الاجتماعي بطبيعتها بمجموعة من المصادر الأكثر تنوعا”.

وجاءت نتائج دراسة أخرى أجراها مركز “بيو” للأبحاث حول الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016، متفقة مع نتائج فلاكسمان.

وأكد أغلب الأشخاص المستطلعة آراؤهم تنوع الآراء التي يطالعونها عبر التواصل الاجتماعي. كما جاءت نتائج دراسة ديبوا بجامعة أوتاوا متفقة أيضا مع ما خلصت إليه الدراستان.

وتوصلت ديبوا، من خلال استطلاع رأي ألفي بريطاني، إلى أن معظمهم يطالعون آراء تتجاوز مواقفهم السياسية، كما يبحثون عن مصادر إضافية ووجهات أكثر تنوعا لا تتفق بالضرورة وقناعاتهم المسبقة.

ووجدت أن نسبة من الأشخاص لا تتجاوز ثمانية في المئة يقصرون اطلاعهم الإعلامي على هيئة إخبارية أو هيئتين، ولا يطالعون آراء مغايرة ما يجعلهم عرضة للتقوقع.

وتشير دلائل أخرى إلى أن المحاولات الرامية إلى مجابهة التقوقع والانتقائية بتوفير محتوى إخباري أكثر تنوعا قد تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ تقود إلى ترسيخ الاستقطاب السياسي.

حيث درس فريق تزعمه كريستوفر بايل، من جامعة ديوك، المواقف السياسية لأكثر من 1600 مستخدم لتويتر قبل دفع مبلغ بسيط لهم لمتابعة تغريدات شخصيات بارزة على الجانب المخالف سياسيا.

وقبل نحو نصف المشاركين ذلك، لكن بدلا من أن تصبح مواقفهم أكثر اعتدالا في ما يتعلق بقضايا من قبيل حقوق المثليين، أصبحوا ببساطة أكثر ثقة بمواقفهم المبدئية (وكان ذاك أكثر وضوحا في حالة الجمهوريين، الذين تبنوا مواقف أكثر محافظة، بينما تمسك الديمقراطيون تقريبا بنفس مواقفهم السابقة).

ويمكن تفسير ذلك بأكثر من نظرية في علم النفس. إحدى تلك النظريات يطلق عليها “تحفيز التفكير”، إذ أشارت دراسات عديدة إلى أن تمسكنا بهوياتنا السياسية من القوة بحيث نحفز عقولنا على تفنيد أي أدلة مناقضة لوجهة نظرنا المبدئية، بحيث ينتهي الأمر بأن تصبح قناعاتنا أكثر رسوخا. فقد توصل باحثون إلى أن مستخدمي الإنترنت الجمهوريين تبنوا لهجة أشد في التعبير عن رأيهم مع تعرضهم للمزيد من وجهات النظر الليبرالية.

ويقول بايل “مع مرور الوقت، شهدنا تصاعدا في المشاعر السلبية المعبر عنها تجاه قادة الرأي الليبرالي، ما فسرناه بنظرية تحفز التفكير، إذ كان هناك تصاعد (في المشاعر السلبية) مع مواصلة التعرض للآراء المناقضة”.

وثمة تفسير آخر يعتمد على ما اصطلح على تسميته بـ”استماحة العذر للذات”، والمقصود به الاعتقاد اللا واعي بأن إظهار الانفتاح في موقف ما يعطينا العذر للتصلب في موقف لاحق.

كذلك فإن مطالعة بضعة آراء مناهضة لقناعاتنا على فيسبوك أو تويتر قد تبرر لنا أمام أنفسنا التشبث بآرائنا المبدئية، ويشير بايل إلى أن التغريدات جاءت من شخصيات بارزة، وهو ربما ما نفّر المستخدم العادي لتويتر، “فالناس لا يحبون من يوصفون بالنخبة”.

كل هذا يشير إلى أن مشكلات الخطاب السياسي على الإنترنت لا يبدو أن مرجعها محدودية الاطلاع على الآراء المغايرة أو التقوقع ضمن آراء مماثلة والتخندق مع أصحاب نفس الرأي، بقدر تعلقها على الأغلب بكيفية تجاوبنا اللا واعي مع تلك الآراء. ويبدو أن السرية التي يوفرها التواصل عبر الإنترنت تسهل من رفضنا لآراء الآخرين، ما يخلق بيئة نقاش أكثر حدة.

19