فضاء البث التلفزيوني بلا حدود

الأربعاء 2016/09/21

مع تعدد القنوات التلفزيونية المتزاحمة عبر الفضاء وعبورها الحدود دون موافقة السلطات المحلية واختراقها للأجواء الإقليمية والقطرية، تبرز مشكلة تدفق البرامج الأجنبية وخطورتها على الثقافات الوطنية والذوق العام.

قد تختلف الآراء حول المخاطر وحجمها وتتفاوت تقييمات الضرر والنفع، السماح والمنع، بخصوص إشكالية تدفق البرامج الأجنبية، وهي قديمة إذ أنها ظهرت منذ انتشار البث التلفزيوني في الوطن العربي، حيث كانت محطات التلفزيون المحلية، ومازالت، بحاجة إلى تغذية ساعات البث الأرضي ببرامج مستوردة من دول غزيرة الإنتاج، وقد كنا في الماضي، نشتري، نستورد، نتلقى هدايا من البرامج الأجنبية ونعرضها على قنواتنا الأرضية ويشاهدها كل المواطنين برضانا … إلا أن البث الفضائي أعطى الموضوع بعدا جديدا.

إن الغزو الثقافي التلفزيوني كان دائما قائما، ببث فضائي ودونه، وآنذاك وكما يحدث الآن، كان يتوصل الباحثون إلى الترويج للحل الإيجابي في مواجهة الإنتاج الأجنبي بتحسين الإنتاج المحلي وزيادة متعة المشاهد ببرامجه المحلية… جعلها شيقة، جذابة، ممتعة!

كلام نقوله ونتمناه .. ولكن كيف !.. وماذا نوفر للإنتاج المحلي من تجهيزات وإمكانيات، وماذا نوفر له من حرية التعبير، وما هي المساحة التي يتحرك ضمنها المبدع ؟ من اختيار الموضوع، وكيفية معالجته، إلى طريقة الترويج له وإيصاله إلى المتفرجين، وتقبلهم له، ولا أحد ينكر أن أنجح البرامج التلفزيونية “المحلية” التي تقدمها بعض الفضائيات العربية الآن، هي تقليد لبرامج تقدمها محطات أجنبية تم أخذها شكلا ومضمونا والإنفاق عليها بسخاء حتى وإن كان بعضها لا يتماشى مع قيمنا الاجتماعية!

مما جلبه البث الفضائي معه هو إحداث تغير كبير في الأذواق وفي عادات المشاهدة.

إن تعدد الخيارات أدى إلى صعوبة إرضاء المتفرج. فمن كان يرضيه تناول الطعام المتاح في مطعم شعبي، ثم ينتقل إلى مطعم أكثر تنوعا، “بوفيه مفتوح” مثلا تقل قناعته بالطعام الذي كان يتناوله برضى “ويصبح انتقائيا” ليس فقط بنوع الطعام وإنما أيضا بطريقة التقديم .. والأواني … والمكان … وحتى بنظافة وأسلوب العاملين في المطعم.

إن المحطات المتنافسة المتجاورة المتزاحمة على كسب المشاهدين في البلد الواحد أو في المنطقة، تروج لنفسها بالدعاية إلى أصناف معينة من البرامج … أولا “بالبرامج الإعلامية والإخبارية والثقافية التي تعالج القضايا بصراحة وتميز ومعلوماتية، وتتنافس بالحصول على المقدمين البارزين والجذابين، وتتنافس بالحصول على أسبقية في عرض المسلسلات الجديدة وخاصة تلك التي يقوم بتمثيلها نجوم لهم جاذبية شعبية، وتتنافس بالأفلام الروائية التي تعرض لأول مرة، وتتنافس بإنتاجها الخاص من مختلف البرامج”.

ولم تعد المشكلة في الوطن العربي تقتصر على بضعة برامج أجنبية يتم بثها بين البرامج على القنوات العربية المحلية، بل تزايد عدد الفضائيات الأجنبية الرسمية التابعة للحكومات والموجهة للعرب بلغتهم، كما ازداد عدد الفضائيات الترفيهية الأجنبية بالكامل والموجهة إلى المشاهدين العرب بلغتهم نطقا أو كتابة.

لقد أدى تعدد القنوات الفضائية والأرضية إلى تشتت الجمهور، وإلى توزعه على المحطات، في الماضي كانت البرامج الناجحة والمتميزة تلك التي تحصل على نسبة تتراوح بين ثلاثين إلى أربعين بالمئة من المشاهدين.

بالأمس قرأت عن أفضل البرامج التلفزيونية في ألمانيا للشهر الماضي، فوجدت أن نسبتها على القنوات الرائجة تتراوح بين 8 إلى 17 بالمئة فقط! وهذا يعتبره الكثيرون ظاهرة إيجابية على المستوى الاجتماعي والنفسي والثقافي، حيث تتعدد الاختيارات وتتعدد مصادر المعلومات، ولماذا ينبغي على الجميع أن يشاهدوا محطة واحدة ذات نفس معين في فلسفة البرامج … هل يقرأ معظم الناس جريدة واحدة أو مجلة واحدة … لماذا يسمح بتعدد الصحف والإذاعات ولا نرضى بتعدد المحطات التلفزيونية!

إن اتساع رقعة البث التلفزيوني يتواصل دون موافقة أحد، وقد فتح له الآن منفذا جديدا من خلال البث الرقمي عبر الإنترنت، حيث يقوم عدد كبير من الهواة والمحترفين بإنشاء قنوات تلفزيونية لا فضائية ولا أرضية وإنما كمبيوترية على مواقع النت مثل يوتيوب، وتلاقي نجاحا وجمهورا متزايدين وبعضها يشاهدها عدد أكبر من مشاهدي فضائيات تقليدية!

مخرج عراقي

18