فضاء تونس ووهم الأوروبي

الجمعة 2014/08/01

عندما تطأ أقدامنا تراب بلدان أخرى ونلتقي وجها لوجه بتضاريس طبيعتها وبتنوع بشرها وصور تاريخهم الشخصي والوطني فإننا لا نبقى كما كنَا، بل إن التغيير يصيبنا حتى لو بنسب طفيفة لأن ثقافة الآخرين وأساليبهم وطقوسهم في الحياة تتسرَب بهذا الشكل أو ذاك إلى مسامنا وحواسنا وجراء ذلك يتسع فضاء ومعنى العالم فينا ونكتسب هوية مركبة لن تزيلها الأيام حتى إذا أردنا ذلك.

في سيرته الذاتية الرائعة “ذكريات، أحلام، تأملات” يحدثنا عالم التحليل النفسي كارل غوستاف يونغ المعروف عالميا بنظرية اللاوعي الجمعي الكوني -الذي يكتنز بما يدعوه بالنماذج الأصلية مثل الأم، والولد، والطوفان، والغشاش- عن التأثير القويَ الذي مارسته عليه رحلاته إلى توزر وصفاقس وسوسة بتونس مرورا بالجزائر بشكل خاص، وأميركا وأدغال أفريقيا والهند بشكل عام.

عندما وصل يونغ إلى تونس عام 1920 أدرك أنه قد حقق أمنيته التي راودته لسنوات طويلة: “أخيرا فقد كنت حيث تمنيت أن أكون: في بلد غير أوروبي حيث لا يتكلم أحد اللغة الأوروبية وحيث لا تسيطر تصورات الديانة المسيحية، وحيث يعيش عرق مختلف، وحيث التقاليد التاريخية والفلسفة المختلفة قد طبعت وجوه الحشد. لقد تمنيت دائما أن أكون قادرا فورا على أن أرى الأوروبي من الخارج، وأن أبصر صورته قد عكسها له بالكامل محيط أجنبي”.

في المحيط التونسي الأجنبي شرع كارل يونغ في تأمل حركات الإنسان التونسي الذي رآه يتمتع بالكبرياء وبصفاء الذات ولقد دفع ذلك به إلى تأمل نفسه وما تعنيه له أوروبا.

فالأوروبي مقتنع بالتأكيد بأنه لم يعد ذلك الإنسان الذي كأنه في العصور الماضية ولكنه لا يعرف كيف صار منذ ذلك الوقت”. إن هذا الإنسان الأوروبي الذي اجتاحته التكنولوجيا: “تقول له ساعته بأنه منذ أزمنة العصور الوسطى ومرادفها التقدم قد زحفت عليه وأخذت منه بشكل نهائي شيئا ما”.

إن هذا الأوروبي كما استخلص يونغ “يعوَض فقدانه للجاذبية، والعاطفة المتطابقة مع الكمال بوهم انتصاراته في بناء السفن البخارية، والسكك الحديدية، والطائرات والصواريخ التي سرقت منه الديمومة ونقلته إلى واقع آخر من السرعة، والتسارع المتفجر”.

وهكذا يعترف يونغ وهو يرى نفسه ومعه كل أوروبا من خلال المنظار التونسي أن “الأوروبي يملك على أية حال بعض معايير الإرادة والقصد المباشر، ولكن الذي ينقصه هو كثافة الحياة”.


كاتب من الجزائر

15