فضائح الجنرالات تعزز سيطرة بوتفليقة على السلطة

الأحد 2016/02/07
سطوة الجنرالات تتفكك لصالح الرئاسة

الجزائر - يتواصل مسلسل تبادل الاتهامات بين القيادات العسكرية الجزائرية التي كانت تدير الحرب على الجماعات الإسلامية في تسعينات القرن الماضي. والرابح في كل ذلك هو الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، والمحيطون به في القصر، الذين سيجدون في “نشر الغسيل” بين الجنرالات ذريعة جديدة للمضي في تفكيك المؤسستين العسكرية والأمنية وإزاحة خصومهم التاريخيين منها.

وأعطت الاتهامات المتبادلة بين وزير الدفاع الأسبق خالد نزار والمستشار الأمني للرئيس السابق اليامين زروال الجنرال محمد بتشين الانطباع للرأي العام بأن بوتفليقة يكون قد تأخر كثيرا في إصدار قراراته، لتحييد المؤسستين الأمنية والعسكرية عن ممارسات هؤلاء الضباط.

وخرج صقور العشرية الحمراء، كما توصف في الجزائر، عن واجب التحفظ الذي تفرضه المسؤولية وطبيعة المهنة، وقرر الجنرال محمد بتشين رفع دعوى أمام القضاء المحلي ضد نزار بتهمة التشهير، على خلفية الوثائق التي نشرها موقع إلكتروني مملوك لعائلة نزار، يتهم فيها بتشين باستعمال نفوذه في مرحلة التسعينات لتوجيه الإشهار العمومي لفائدة صحيفتين كان يمتلكهما آنذاك وهما “الأصيل” و”لوتونتيك” باللغة الفرنسية.

كما وجّه المحافظ السابق لوهران (450 كلم غربي العاصمة)، اتهامات خطيرة لقائد الناحية العسكرية الثانية الجنرال كمال عبدالرحيم، بالوقوف وراء قضية “الكوكايين”، والضلوع في ملف سجنه لسبع سنوات كاملة بتهم مفتعلة، بعدما وقف في وجه الصفقات والضغوطات التي كان يمارسها ضده آنذاك الجنرال المذكور.

واتهم عبدالرحيم، الرجل الأول في جهاز الاستخبارات المنحل محمد مدين (توفيق)، بممارسة الضغط للملمة ملف القضية. وقال في رد مقتضب له لوسائل إعلام محلية، بأن رئيس هيئة أركان الجيش الراحل الجنرال محمد العماري كان على دراية بالتفاصيل، وإن ضغوطات عليا مورست لأجل لملمة الفضيحة.

وإذ ركز وزير الدفاع السابق خالد نزار، في سلسلة اعترافاته على الظروف السياسية التي أحاطت بمرحلة التسعينات، وخلفية قرار العسكر آنذاك وقف المسار الانتخابي، فإن اعترافه بضغط صقور المؤسسة العسكرية على الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد لتقديم استقالته، أعاد الجدل في أوساط المعارضين خاصة المنتسبين للجبهات الثلاث التي توجت آنذاك بنتائج الدور الأول (جبهة الإنقاذ، جبهة القوى الاشتراكية، جبهة التحرير الوطني).

وانضم مدير ديوان الرئاسة ورئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي أحمد أويحي، إلى منتقدي خالد نزار، معتبرا أن تصريحاته فتحت الأبواب لعودة الأصوات التي ظلت تصف وقف المسار الانتخابي بالانقلاب، في إشارة إلى منتسبي جبهة الإنقاذ الإسلامية المحظورة.

وقال أويحي في لقاء جمعه بنواب حزبه عشية الجلسة البرلمانية لتمرير الدستور الجديد إن “تصريحات نزار غير مسؤولة، لأنها أعطت الحق للمجرمين، بالعودة إلى شعاراتهم السابقة، التي اعتبرت وقف المسار الانتخابي انقلابا عسكريا”.

ويعتبر العام المنقضي موسم الجنرالات بامتياز، فالهالة والسطوة التي أحاطت بهم طيلة العقدين الماضيين، انهارت كلعبة الدومينو، وبشكل يوحي بنهاية دور ونفوذ قادة العسكر والاستخبارات في القرار السياسي للبلاد، وإلى تغير موازين القوى داخل السلطة لصالح الرئاسة وأذرعها السياسية والمالية والإعلامية.

ولأول مرة في تاريخ الجزائر يتم سجن جنرالين واحد ما يزال في الخدمة (حسان) والثاني في التقاعد (حسين بن حديد)، ويتم حل جهاز الاستخبارات وإقالة كبار ضباطه، وعلى رأسهم الجنرال اللغز محمد مدين (توفيق). كما تم إنهاء تواجد “ضباط فرنسا”، أي الطابور الذي وظفته فرنسا لاختراق الثورة عند الاستقلال العام 1962.

ويرى مراقبون أن المستفيد الأول من “غسيل الجنرالات”، هو بوتفليقة، الذي كسب نقاطا إضافية ضد خصومه، ولن يضطر للمرافعة على خياراته، وسيجد بجانبه رأيا عاما يريد إعادة تأهيل المؤسسة العسكرية والأمنية للتخلص من المورطين في هذه الفضائح.

وتبقى المعارضة غير مطمئنة لدوافع تغيير موازين القوى داخل السلطة، وهو تخوف عكسه رأي رئيس حزب طلائع الحريات علي بن فليس، الذي أشار إلى نوايا مكشوفة لمركزة القرار بيد مؤسسة الرئاسة وتوزيع الأدوار والمهام على المقرّبين منها، وسحب خصومها من المواقع التي كانت تحدث التوازن داخل السلطة.

وربما ستجبر الحقائق المنكشفة تباعا حول خفايا العشرية الحمراء، والمتزامنة مع سماح السلطات الجزائرية لفريق من الأمم المتحدة للتحقيق في الاختفاءات القسرية، والتي ستكشف عن حقائق جديدة، على توجيه المسؤولين عنها إلى الجهات القضائية، مما سيقدم خدمة مجانية أخرى لبوتفليقة.

1