فضائح الفساد القاتل تخرج على مقتدى الصدر من رماد حرائق المستشفيات وحطام أبراج الكهرباء

تلاشي صورة رجل الإصلاح وزعيم التيار الطهور السليم من الفساد.
الجمعة 2021/07/16
للصدريين أيضا «إبداعاتهم» في صنع المشهد السوريالي في العراق

إذا كان بين قوى الإسلام السياسي في العراق من طرف متضرّر بشكل مباشر من الكوارث التي ما فتئت تطال قطاع الصحّة والأزمة الحادّة في قطاع الكهرباء فهو تيار رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر الذي يكاد الحريق الأخير في مستشفى الناصرية يأتي على السمعة التي نحتها لنفسه ولتياره كاستثناء من قوى الفساد والفشل، ويسقط ورقته الأساسية في دعايته الانتخابية استعدادا لانتخابات أكتوبر التي كان ينوي المشاركة فيها قبل أن تضطره المستجدات إلى العدول عن قراره.

بغداد - لا يؤلم رجلَ الدين الشيعي مقتدى الصدر في هذه المرحلة شيء مثلما يؤلمه التصاق صفة الفساد بتياره الذي كان قد قرّر في وقت سابق أن يخوض به الانتخابات المبكّرة التي ستجرى في شهر أكتوبر القادم بهدف تحقيق فوز كبير فيها يتيح له التحكم في عملية تشكيل الحكومة التي ستنتج عنها ومن ثمّ الإمساك بزمام السلطة التنفيذية. لكنّ تفجّر فضائح الفساد في وجهه اضطره أخيرا إلى العدول عن قرار المشاركة في الاستحقاق الانتخابي.

فالمحظور وقع بالفعل بالنسبة إلى الصدر الذي قضى قرابة العقدين من الزمان ساعيا لتحقيق حلمه في أن يصبح الزعيم الأول في البلاد، معتبرا ذلك حقّا أصيلا له مستمدّا من المكانة الدينية لأسرة آل الصدر الراسخة في مجال التديّن الشيعي.

فساد مميت

وعلى العكس تماما من صورة رجل الإصلاح الورع والمحارب الشرس للفساد وقائد التيار “الطهور” و”الناجي الوحيد” بحسب وصف الصدريين لتيارهم، جاءت أزمة الكهرباء الحادّة والعثرات الكارثية لقطاع الصحّة، لتؤكّد للعراقيين أنّ التيار الصدري المختصّ في إدارة قطاعي الكهرباء والصحّة غارق مثل سائر القوى المشاركة في حكم العراق في الفساد.. وأي فساد؟

إنّه الفساد المميت الذي لا يقتصر على هدر مقدّرات الدولة ونهب مواردها بل يتجاوز ذلك إلى العبث بمصائر الناس وأرواحهم، وهو ما تجسّد عمليا في الحريقين اللذين التهما في ظرف أشهر قليلة مستشفيين حكوميين في كل من العاصمة بغداد ومدينة الناصرية بجنوب العراق وخلّفا ضحايا بالمئات بين قتلى وجرحى.

وجاء الحريق الأخير بينما كانت مناطق شاسعة من العراق تواجه أزمة كهرباء حادّة نتيجة العجز عن تلبية الطلب المتزايد على الطاقة مع بلوغ الحرارة درجات مرتفعة لامست الخمسين درجة في بعض مناطق البلاد، ما أعاد تسليط الأضواء على الفساد الكبير في القطاع الواقع ضمن حصّة التيار الصدري في نطاق عملية المحاصصة القاضية بتقاسم القطاعات الحيوية للدولة العراقية والتصرّف بما تدرّه من أموال طائلة.

تيار الصدر منخرط في فساد مميت يتجاوز هدر مقدّرات الدولة ونهب مواردها إلى العبث بمصائر الناس وأرواحهم

وفي ظلّ التنافس الشرس بين الصدر وكبار خصومه من أبناء العائلة السياسية الشيعية والذي كثيرا ما يتحوّل إلى “حرب” دعائية لا تكاد توفّر وسيلة لإلحاق أكبر أذى بسمعة الخصوم، جاءت أزمة الكهرباء وكارثتا المستشفيين، بمثابة هدية ثمينة لهؤلاء الخصوم المتخوّفين بالفعل من صعود الزعيم الشيعي وتياره وبروزه كرقم صعب محتمل في الانتخابات القادمة، خصوصا وأنّ عددا من بين هؤلاء من تبوّأ مراتب قيادية في تجربة الحكم القائمة في البلاد من ثمانية عشر عاما وتحمّل مسؤولية فشلها الذريع ونتائجها الكارثية وأصبح بالنتيجة موضع غضب العراقيين ونقمتهم.

ولعكس الهجوم على خصوم التيار الصدري ومنتقديه كانت شخصيات بارزة في التيار قد دشنت مؤخرا حملة شرسة على هؤلاء الخصوم. وقال صالح محمّد العراقي الذي يوصف بأنّه وزير الصدر في بيان نشره مؤخرا عبر تويتر إنّ “جميع الأحزاب السياسية أشهرت إفلاسها من خلال استهداف الناجي الوحيد”، في إشارة إلى التيار الصدري الذي قال ذات البيان إنّ سعيه للإصلاح عرقل “تقدمه المالي”.

وشمل الصدريون بهجومهم أبرز خصمين لزعيمهم؛ نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي الأسبق لدورتين متتاليتين والذي ورد ذكره في بيان للتيار تحت مسمّى “ذي الرئاستين”، وقيس الخزعلي زعيم ميليشيا عصائب أهل الحق المنشّق عن التيار نفسه، والذي أشير إليه في البيان كأحد أفراد “الثلّة الوقحة” حيث دأب الصدر على نعت العصائب وعدد من الفصائل الأخرى بالميليشيات الوقحة.

ويحاول الصدر بهجومه على المالكي والخزعلي مسايرة مزاج الشارع العراقي الذي ينظر إلى رئيس الوزراء الأسبق كأحد أكبر رموز الفساد في البلاد والمسؤول بشكل كبير على تراجع العراق في مختلف المجالات وتردي أوضاع سكّانه من خلال فترة حكمه الطويلة التي اختُتمت بكارثة سيطرة تنظيم داعش على ما يقارب ثلث الأراضي العراقية في ظل انهيار الجيش العراقي الذي نال منه الفساد والطائفية في عهد المالكي.

وعلى مستوى شخصي، فإن لمقتدى الصدر “ثأرا” قديما من المالكي الذي يرى زعيم التيار الصدري أنّه ساهم بشكل كبير في حرمانه من احتلال موقع متقدّم في قيادة العراق.

كان الصدر قد رأى في الانتخابات القادمة فرصة سانحة لتجسيد حلمه القديم وتحقيق نصر ساحق على خصومه، ما جعله يتراجع عن قَسَمه بعدم المشاركة في الاستحقاق والسماح لتياره بالمشاركة واصفا ذلك بأنه بمثابة تجرّع للسمّ.

المختلف شكلا

دعاية فجّة تبخرت بلهيب الحرائق
دعاية فجّة تبخرت بلهيب الحرائق

كثيرا ما لجأ الصدر إلى الإبهار بالمواقف الصادمة والقرارات المفاجئة للحفاظ على موقع بارز في المشهد العراقي المزدحم بالمتنافسين على السلطة والطامعين في مغانمها، لكن ذلك الأسلوب غالبا ما كلّفه الوقوع في التناقض، وتسبب في تراجع مصداقيته وانحسار جماهيريته بدل توسّعها.

وعلى سبيل المثال فإنّ الرجل من المفروض ألا يكون اليوم موجودا على الساحة السياسية بعد أن أعلن في وقت سابق، وبصريح العبارة، وفي مناسبتين مختلفتين، عن اعتزاله العمل السياسي وحلّ تياره وعدم المشاركة في أي انتخابات، وهو ما لم يتحقّق بالفعل حيث ظل التيار الصدري يتقدّم لكل استحقاق انتخابي، وهو ينوي تجديد المشاركة في انتخابات أكتوبر القادم.

واحتاج الصدر، وهو بالأساس رجل دين لتبرير الحنث بقسمه السابق على عدم المشاركة في الانتخابات، قائلا “السبب الذي أدى إلى قسمي بعدم خوض الانتخابات سيزول وأكون في حلّ من قسمي”، موحيا بأنّ الحنث أمر مشروع ومبرّر بما أنّ الرجل “سيخلّص” العراق “من الفساد والتبعية والانحراف”، مضيفا “الدين والمذهب والوطن في خطر وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”.

وكالمعتاد جنح مقتدى الصدر إلى الإيهام بأنّ دوره ضروري للعراق قائلا “هذه المرة ليس العدو هو الفساد فحسب لكي أتجنبهم ولا ندخل معهم في الانتخابات، بل هناك من يريد إزاحة العراق عن منزلته الدينية والعقائدية والاجتماعية فيبيحون الحرام وينشرون الفساد ويطبّعون مع العدو ويتقبلون الفواحش ويقننون الزواج المثلي وينشرون المجون والثمالة تحت غطاء الحرية والديمقراطية”.

Thumbnail

ويدرك الشارع العراقي بفطرته أنّ الصدر غير مختلف عن مجمل الطبقة السياسية الفاعلة في المشهد العراقي ولذلك لم تستثن مجاميع الشباب التي قادت موجة الغضب العارمة في الشارع العراقي أيا من رموز النظام القائم من قادة أحزاب وميليشيات مسلّحة ومن ضمنهم الصدر نفسه الذي حرص دائما على أن يصوّر نفسه باعتباره استثناء من كل من شاركوا في تجربة الحكم الفاشلة بكل المقاييس، محاولا الإيحاء بأنّه مهمّ لدى رجل الشارع وبأنّه مطلوب من قبله ليقود عملية الإصلاح، فيما الشعارات التي رفعت خلال الانتفاضة الشعبية واستهدفته بشكل مباشر تؤكّد عكس ذلك، خصوصا بعد أن انخرط عمليا في قمع المحتجّين من خلال ميليشيا أنشأها للغرض.

وتعتمد الدعاية الانتخابية المبكّرة التي أطلقها التيار الصدري على تقديم زعيمه كمرشّح فوق العادة للفوز بالانتخابات والحصول على امتياز تشكيل الحكومة القادمة. كما تعتمد على تقديمه كرجل دولة ومدافع عن منطقها حتى أنّه أعلن اعتراضه على استهداف القوات الأميركية التي تعمل الفصائل الشيعية الأكثر قربا من إيران على إخراجها من البلاد ما جعل خصومه يتّهمونه بالتقّرب من الولايات المتّحدة لضمان عدم اعتراضها على لعبه دورا سياسيا كبيرا في المستقبل. ومعروف عن الصدر خطابه الواثق الذي يحرص من خلاله على وضع نفسه في مرتبة صاحب السلطة المطلقة من خلال توجيه الأوامر والإنذارات ومنح المهل الزمنية، وهو ما يتناقض جذريا مع منطق الدولة الذي يتنباه.

يرى الصدر في فشل منافسيه في الحكم فرصة للوصول إلى المكانة القيادية في أعلى هرم السلطة التي يرى نفسه جديرا بها، لاسيما وأنّ الاستحقاق الانتخابي القادم سيجري في ظلّ مستجدّات كثيرة قد تفضي إلى إعادة رسم خارطة الحكم في البلاد. لكنّ هذا الحلم أصبح فجأة مهدّدا بفعل تفجّر قضايا الفساد القاتل في وجه التيار الصدري.

تجاهل وإنكار

رغم أن الصدر في موقف ضعيف إزاء كارثة الحريق وما خلّفه من مشاعر غضب جماهيري، إلا أنه يحاول التماسك والتشبث  بخطابه الفوقي
رغم أن الصدر في موقف ضعيف إزاء كارثة الحريق وما خلّفه من مشاعر غضب جماهيري، إلا أنه يحاول التماسك والتشبث بخطابه الفوقي

وأمام فداحة الخسائر السياسية التي ألحقها حريقا المستشفيين لم يكن أمام الصدر من مهرب سوى إنكار مسؤولية تياره عما حدث وإلقاء التبعة بشكل عام على حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، قائلا في تغريدة عبر توتير إنّ “على الحكومة السعي الجاد والحازم لمعاقبة المقصرين بمسألة حرق المستشفيات سواء في الناصرية أو في غيرها من المحافظات أيا كان انتماؤهم السياسي، وإلاّ فإن الحكومة بصغيرها وكبيرها هي المسؤولة عمّا يحدث”.

وأضاف محذرا من أنّه سيكون له “تصرف آخر بما يحفظ للشعب سلامته وكرامته”، مطالبا بالإسراع في إعلان نتائج التحقيق في الحريق بالسرعة القصوى وألا يكون مصيره مصير التحقيقات في حرائق سابقة بالمستشفيات.

وحريق مستشفى الناصرية الذي يرجع سببه إلى انفجار عبوة أوكسجين وقالت السلطات العراقية إنّه أوقع أكثر من ستين قتيلا والعشرات من المصابين، هو الثاني الذي يلتهم مستشفى في العراق حيث أدى حريق اندلع في أبريل الماضي داخل مستشفى ابن الخطيب في بغداد إلى مقتل اثنين شخصا وإصابة العشرات. وأثار ذلك الحريق ردود فعل غاضبة واسعة دفعت وزير الصحة آنذاك حسن التميمي المدعوم من التيار الصدري للاستقالة.

ورغم أنّ الصدر في موقف ضعيف إزاء كارثة الحريق وما خلّفه من مشاعر غضب جماهيري متفجّرة من كل ما له قدر من المسؤولية عما حدث فقد حاول التماسك والتشبّث بخطابه الفوقي الذي يجعله فوق التهم والشبهات ويضعه في مرتبه من يمتلك صلاحية توجيه الإنذارات ومنح المُهل للسلطات السياسية لتنفيذ بعض المطالب أو التراجع عن قرارات رغم أنّه لا يمتلك سلطة تنفيذية فعلية، في ما عدا جماهيريته بين شرائح من أبناء الطائفة الشيعية في العراق.

وفي سياق التكتيك ذاته الذي أقامه الصدر على التملّص من مسؤولية كارثة حريق المستشفى والانضمام إلى المطالبين بمعاقبة المهملين والفاسدين المتسبّبين به اتهم تحالف سائرون التابع للتيار الصدري من أطلق عليهم اسم “الأيادي الخبيثة” بالتسبب  في حريق مستشفى الناصرية.

وقال فرع التحالف بمحافظة ذي قار في بيان “لا بد للحكومة الاتحادية أن تأخذ دورها الحقيقي في حماية أرواح المواطنين وأقل ما يمكن أن تقوم به هو كشف الأيادي الخبيثة التي تسببت بهذه الكارثة ومحاسبتها”.

ويحاول التحالف بذلك إلقاء بذرة الشكّ في وجود مؤامرة تستهدف مقتدى الصدر وتياره وتحالفه وراء الكوارث التي طالت القطاع الصحي وحوّلت بعض مؤسساته إلى محارق للعراقيين بدل أن تكون مَواطن للحفاظ على صحّتهم وإنقاذ حياتهم.

13