فضائح الفساد تهدد أحلام الشعبويين بزعامة أوروبا

اليمين المتطرف المناهض لأوروبا والمحافظون المشككون في جدوى الاتحاد الأوروبي والشعبويون يطمحون إلى إحداث اختراق في الاستحقاق الانتخابي الذي سيشمل الدول الـ28 الأعضاء في الاتحاد.
الثلاثاء 2019/05/21
فضيحة هاينز ضربة قاضية للشعبويين

قبيل الجمعة الماضي، صبّت ترجيحات كثيرة بأن اليمين القومي المناهض لأوروبا والمحافظين المشككين في جدوى الاتحاد الأوروبي، سيتمكنون من تحقيق نتائج باهرة في انتخابات البرلمان الأوروبي التي ستجرى من 23 إلى 26 مايو الجاري، لكن هذه الآمال العريضة التي فتحها الشعبويون قد تتبخر بسبب فضائح الفساد، وآخرها القضية التي تلاحق زعيم اليمين المتطرف في النمسا هاينز-كريستيان شتراخه، وذلك بعد نشر شريط فيديو يتّهم فيه بأنه عرض منح عقود نمساوية عامة مقابل دعم روسي، الأمر الذي دفعه إلى الاستقالة من رئاسة حزبه وتسبب بانهيار الائتلاف الحاكم في فيينا.

بروكسل- قبل يومين من البدء الحقيقي لأضخم عملية انتخابية في العالم، أي انتخابات البرلمان الأوربي التي تنطلق الخميس وتتواصل فعالياتها إلى 26 مايو الجاري، بدأت أحلام أحزاب اليمين المتطرف الساعي للسيطرة على هذه الانتخابات المفصلية تتبدّد بعد أن كانت كل الاحتمالات والاستطلاعات تشير إلى إمكانية فوز هذه العائلة السياسية الشعبوية بـ173 عضوا، لكن الفضائح والتحقيقات في مصادر تمويلهم يمكن أن تضر بطموحاتهم.

ومنذ الجمعة الماضي، يتعرض الشعبويون للضغط بعد فضيحة في النمسا أدت إلى استقالة زعيم اليمين المتطرف قبل بضعة أيام من الانتخابات الأوروبية، العملية الديمقراطية الأكبر في العالم بعد الانتخابات التشريعية في الهند.

ويطمح اليمين المتطرف المناهض لأوروبا والمحافظون المشككون في جدوى الاتحاد الأوروبي والشعبويون، إلى إحداث اختراق في هذا الاستحقاق الانتخابي الذي سيشمل الدول الـ28 الأعضاء في الاتحاد، والتي يُفترض أن تجدد البرلمان الأوروبي.

لكن أحزاب اليمين المتطرف قد لا تنجح في تحقيق أهدافها، بعد فضيحة نشر شريط فيديو الجمعة يتّهم زعيم اليمين المتطرف في النمسا هاينز-كريستيان شتراخه بأنه عرض منح عقود نمساوية عامة مقابل دعم روسي، الأمر الذي دفعه إلى الاستقالة من رئاسة حزبه وتسبب بانهيار الائتلاف الحاكم في فيينا.

وكانت التوقعات قبل الفضيحة، تشير إلى احتمال وصول 173 نائباً من هذه الأحزاب مقابل 154 في البرلمان الأوروبي الحالي انتُخبوا في العام 2014، من أصل 751 نائبا.

وراهنت أحزاب اليمين المتطرف خلال الأشهر الأخيرة على القيام بحملات انتخابية واسعة، قوامها مغازلة الشعوب الأوروبية عبر الإسهاب في عرض إخفاقات النظم السياسية الكلاسيكية واستعراض فشلها في التعاطي مع عدة ملفات كالهجرة، وكذلك تفشّي التطرف في بعض دول أوروبا بالإطناب في التطرق لمفهوم الإسلاموفوبيا.

ماتياس جونغ: فضيحة النمسا قد تعوق تقدم الشعبويين في أوروبا
ماتياس جونغ: فضيحة النمسا قد تعوق تقدم الشعبويين في أوروبا

هذه الفضيحة، دفعت بزعيم اليمين المتطرّف في النمسا الاثنين، إلى الإعلان أيضا أن وزراء الحزب مستعدّون للاستقالة من مناصبهم، وذلك بعد انهيار الائتلاف الحكومي على خلفية فضيحة الفساد قبيل انتخابات المجلس الأوروبي.

ودعا المستشار النمساوي المحافظ سيباستيان كورتز لانتخابات جديدة بعدما دفعت تسجيلات مصوّرة بنائب المستشار هاينز-كريستيان شتراخه للاستقالة، وهو ما أدى إلى انهيار ائتلاف اليمين مع اليمين المتطرف الذي كان مناصرون كثر لليمين في أوروبا يعتبرونه مثالا يحتذى به.

وبعدما أكد أن الكيل قد طفح ولم يعد قادرا على تحمّل فضائح حزب الحرية في النمسا، سرت تكهّنات بأن كورتز قد يقيل وزير الداخلية هيربرت كيكل، أحد أبرز وجوه الحزب، في محاولة منه لاستعادة السيطرة على الأوضاع.

ولم تقتصر تداعيات هذه الأزمة على الداخل النمساوي بل كانت لها نتائج وخيمة أخرى تتعلق ببقية أحزاب اليمين المتطرف الأوروبي، حيث تمثلت أولى تداعيات هذه الفضيحة بإفساد التظاهرة القومية الكبيرة التي نظّمها في ميلانو زعيم الرابطة الإيطالية ماتيو سالفيني، وإلى جانبه حليفته الرئيسية زعيمة التجمع الوطني في فرنسا مارين لوبان.

والهدف المعلن لكل من سالفيني ولوبان هو جعل كتلة “أوروبا الأمم والحريات” التي تضم أصلا “الرابطة” و”التجمع الوطني” و”حزب الحرية” النمساوي وحزب “مصلحة الفلامنك” الهولندي، ثالث كتلة في البرلمان الأوروبي، وهو موقع ينافس عليه أيضا “تحالف الديمقراطيين والليبراليين لأجل أوروبا” الذي يمكن أن يضم النواب الفرنسيين من تيار الرئيس إيمانويل ماكرون.

ويرى ماتياس جونغ الذي يترأس معهد استطلاعات ألمانيا أن “هذه الفضيحة قد تعوق تقدّم الشعبويين في أوروبا”. ويعتبر الخبير في حديث إلى صحيفة تاغشبيغل أن الناخبين المؤيدين لأوروبا قد يُدفعون إلى التصويت بهدف وضع حدّ لليمين المتطرّف.

من جهته، يوضح المحلل السياسي الألماني فيرنر باتزيلت أيضاً لتاغشبيغل، أن مناصري الأحزاب الشعبوية “سيفكرون حاليا مرتين إذا كانوا يريدون إعطاء أصواتهم لهؤلاء الناس”. وتوقع باتزيلت أن تكون هناك عواقب وخيمة على حزب “البديل لألمانيا”.

الفضائح التي تحاصر أحزاب اليمين المتطرف لا تقتصر على هاينز -كريستيان شتراخه، فإلى جانب الفضيحة النمساوية، أُرغمت مارين لوبان التي تواجه اتهامات من جانب أخصامها الفرنسيين بأنها “حصان طروادة” لخطط الرئيسين الأميركي والروسي الهادفة إلى إضعاف أوروبا، على نفي المعلومات بشأن أداء ستيف بانون كبير مستشاري ترامب سابقا، دورا في حملتها.

أما بالنسبة إلى زعيم حزب “بريكست” البريطاني نايجل فاراج الذي يحتلّ الصدارة في استطلاعات الرأي في المملكة المتحدة، فيتعرض حاليا لوابل من الأسئلة حول مصدر أمواله.

وتسأل كريستين فيرجيه من معهد جاك دولور من جهتها، “هل هذه الفضيحة قد تؤدي إلى الحد من عدد ناخبيهم؟ مبدئياً هذا ليس خبرا سارا بالنسبة إليهم لكن التبعات غير مؤكدة”. وتشير إلى أن “ذلك يُثبت في أي حال أن هناك علاقات من نوع الفساد داخل هذه الأحزاب”.

وشنّت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أثناء تجمعها الانتخابي الوحيد خارج ألمانيا في زغرب السبت، هجوما مضادا داعية المسؤولين السياسيين الأوروبيين إلى التصدي لـ”التيارات التي تريد تدمير أوروبا قيمنا”.

تداعيات هذه الأزمة لم تقتصر على الداخل النمساوي بل كانت لها نتائج وخيمة أخرى تتعلق ببقية أحزاب اليمين المتطرف الأوروبي

وفي فرنسا، يقوم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بكل ما بوسعه كي تربح لائحته “النهضة” أصواتاً أكثر من لائحة التجمع الوطني. وغالبا ما يرى المحللون السياسيون في الانتخابات الأوروبية فرصة لمعاقبة السلطات القائمة على المستوى الوطني، إلا أنها انتخابات اتسمت تقليديا بنسبة امتناع كبيرة عن التصويت.

منذ عملية الاقتراع الأولى في العام 1979، لم تكفّ نسبة المشاركة عن التراجع وانخفضت خلال أربعين عاما من 62 بالمئة إلى 42،61 بالمئة فقط في العام 2014. ولكن مهما كانت النتائج، يُفترض أن تُعلن هذه الانتخابات نهاية تفوّق المعسكريْن الكبيريٍن، الحزب الشعبوي الأوروبي في اليمين والاشتراكيون الديمقراطيون في اليسار. فكل معسكر منهما سيخسر ما لا يقلّ عن ثلاثين نائباً، بحسب استطلاع للرأي. لكن لا بديل منهما لتشكيل الأغلبيات الضرورية لتبنّي القوانين.

ويعقد قادة الاتحاد الأوروبي قمة في 28 مايو، بعد يومين من انتهاء الانتخابات الأوروبية، لإطلاق النقاش بشأن تعيينات في خمسة مناصب: رئاسات المفوضية والمجلس والبرلمان والدائرة الدبلوماسية والمصرف المركزي الأوروبي.

كما ينبغي على قادة الاتحاد الأوروبي في الاجتماع المذكور، تعيين امرأة واحدة على الأقل، واحترام التوازنات بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب. ويمكن أن يؤدي الخلاف بين ميركل وماكرون إلى أن تكون العملية صعبة جدا.

6