فضائح الفساد في تركيا تكشف تورط العدالة والتنمية

الثلاثاء 2013/12/24
الحكومة ترى في قضية الفساد تشهيرا والمعارضة تنتقد نظرية المؤامرة

بعد فضائح الفساد التي شملت أبناء لوزراء في حكومة أردوغان لم يعد الأتراك يستسيغون ذلك الوصف الذي يلقب به حزب العدالة والتنمية باسم “آكا”، أي الأبيض نسبة إلى الصفاء والبعد عن الفساد. فقد صار كل شيء الآن موضع تساؤل ومحاسبة وهو منعرج خطير سيقضي حتما على المستقبل الانتخابي للحزب الإسلامي الذي سعى بكل الوسائل إلى ضرب ملامح تركيا العلمانية.

ويذهب مراقبون إلى أن الفساد الذي كشف عنه مؤخرا يعتبر من أقوى الضربات التي توجه إلى أردوغان وهو الذي يعد نفسه لانتخابات محلية مرتقبة في آذار المقبل وأخرى رئاسية في الصيف لم يخف طموحها لخوضها.

هي صدمة إذن فضحت كل الأروقة الفاسدة المحيطة برئيس الوزراء التركي، وحكومته وحزبه العدالة والتنمية، أحد أذرع التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين.غير أن أردوغان كعادته وجه أصابع الاتهام إلى أطراف خارجية لها أياد داخلية محاولا تسليط الأضواء على الأعداء الأجانب، مشيرا إلى خصوم وهميين ككبش فداء لإستراتيجيته الفاشلة ورفضه تقبل فضائح الفساد. ونعرض هنا لقرائنا الأفاضل موقفين متناقضين من المسألة الأول لكمال قلتشدار أوغلو رئيس العام لحزب الشعب الجمهوري المعارض الذي يرفض زعم أردوغان وجود تشكيل عصابي داخل الدولة يسعى إلى تشويه صورة حزبه، والثاني لبولند أرينج المتحدث باسم الحكومة التركية الذي يذهب إلى القول بأن الفساد المتحدث عنه الآن لا يعدو أن يكون حملة تشهير وق التخطيط لها.


التشكيل العصابي موجود في مجلس الوزراء


يرى كمال قلتشدار أوغلو أن أردوغان يحاول دائما الهروب من مسؤوليته ومسؤولية حزبه العدالة والتنمية أمام جميع المشاكل الحاصلة. لذلك فهو يرفض زعم أردوغان في قضية الفساد الأخيرة وجود تشكيل عصابي داخل الدولة يسعى إلى تشويه صورة حزبه متوعدا الكشف عن ذلك التشكيل العصابي والقضاء عليه.

ويذهب أوغلو إلى القول: «إن كان رئيس الوزراء يريد أن يرى تشكيلا عصابيا، فلينظر إلى رفاقه في مجلس الوزراء، فالعصابة الحقيقية هناك». ويعتقد أن القضاء والأمن يحاولان الكشف عن الفساد في القطاع الحكومي، في حين تسعى السلطة لتورية ذلك الفساد، كما أنه كان يتعين على الوزراء الثلاثة الذين تم القبض على أبنائهم في تلك الحملة، الاستقالة من مناصبهم على الفور.

وكان الرئيس العام لحزب الشعب الجمهوري المعارض من المنتقدين دائما لسياسة أردوغان وخيارات حكومته السياسية والاجتماعية والاقتصادية. من ذلك اتهامه لرجب طيب أردوغان بالعمل على تقسيم المجتمع التركي إلى طوائف ومذاهب.

معتبرا أن الوظيفة الأساسية للسياسيين هي عدم تقسيم الشعب، من ناحية اعتقاده أو هويته العرقية أو ملابسه، والمحافظة على وحدته، موضحا أن رئيس الوزراء يميز بين «العلويين والسنة»، على حد قوله.

أوغلو: لم نر بين الصحافيين المعتقلين إرهابيين أو مغتصبين

ويرى زعيم المعارضة التركية أن أحداث ميدان تقسيم، كشفت رغبة الشباب في التغيير وأن إقامة حزب العدالة والتنمية للتجمعات الجماهيرية، وخطب رئيس الوزراء في أنقرة واسطنبول وصمصون وأرزروم وقيصري، لم تصل إلى أي نتيجة.

كما يصف زعيم حزب الشعب الجمهوري ،مناقشة البرلمان الموازنة العامة للعام المقبل بأنها «غير شرعية» لأن الحكومة تصر على إخفاء تقرير لجنة المحاسبة والتفتيش المالي عن السنوات الثلاث الأخيرة، والذي يكشف «فسادا ماليا وإداريا مستشريين». وعن سبب إخفاء الحكومة التقرير يشير قلتشدار أوغلو إلى إنفاق الحكومة لدعم «الربيع العربي»، مشددا على أنها تريد إخفاءه. ويشير أوغلو إلى أن الحكومات لا تخاف من الإعلام وترغب بأن يكون حرا، في الأنظمة الديمقراطية، التي تسير بشكل صحيح، أما الذين يخشون من انعكاس طلبات الشعب والديمقراطية ، فهؤلاء لا يريدون الحرية للإعلام.

ويؤكد كمال كليتشدار أوغلو أن تركيا في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية تتراجع إلى الوراء بدل أن تتقدم داعيا إلى إخراج البلاد من دوامة دولة الشرطة التي أعلنها رجب طيب أردوغان بقوله «إنه سينشر قوات الشرطة داخل الجامعات». ويعتبر كليتشدار أوغلو خلال إعلان تقرير حزب الشعب الجمهوري المتعلق بحرية الإعلام والصحافيين المعتقلين أن دخول الشرطة إلى الجامعات يشكل خطرا كبيرا على المجتمع التركي مشبها ذلك بـ«وصول السكين إلى العظم».

ودعا أصحاب وسائل الإعلامية التركية إلى عدم التدخل في عمل الإعلاميين مؤكدا أنه سيأتي اليوم الذي سيحاسبون فيه على طرد الصحافيين من عملهم وفرض الرقابة على الوسائل الإعلامية.

ويشير أوغلو إلى وضع الصحفيين في تركيا في ظل اعتقال 64 صحافيا، حيث تشهد تركيا وضعا أخطر من فترة انقلاب 12 أيلول التي اعتقل خلالها 34 صحافيا واليوم يحاكم 187 صحافيا بتهمة الإرهاب بينما تصف منظمات حقوق الإنسان العالمية والمنظمات الصحافية تركيا بأكبر سجن للصحافيين.

ويضيف كليتشدار أوغلو «لم نر بين الصحافيين المعتقلين الذين قابلناهم إرهابيين أو مغتصبين أو أعضاء عصابات مسلحة حيث تعتقل حكومة حزب العدالة والتنمية مهنة الصحافة بالذات وتتهم الصحافيين بممارسة الإرهاب نتيجة تغطيتهم مظاهرة عيد العمال في 1 أيار والاحتجاجات ضد مؤسسة التعليم العالي واحتفالات عيد النوروز».


حملة تشهير مخطط لها في إطار حرب نفسية


على خلاف المعارض التركي كمال قلتشدار أوغلو يذهب بولند أرينج المتحدث باسم الحكومة التركية إلى القول بأن الفساد المتحدث عنه الآن لا يعدو أن يكون حملة تشهير مخطط لها. ويقر بأن الحكومة «ستحترم» الإجراء القضائي الذي أطلق ضد مقربين من رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بتهمة الفساد.

ويقول أرينج الذي هو أيضا نائب الرئيس: «نحترم دائما قرار القضاء ولن نتدخل في أي حال من الأحوال» مؤكدا أن 51 شخصا لا يزالون مسجونين على ذمة التحقيق في إطار هذه القضية. ويؤكد الوزير أن هناك أبناء لثلاثة وزراء بين هؤلاء الأشخاص لكنه استبعد استقالة فورية لآبائهم الذين يتولون حقائب الداخلية والبيئة والاقتصاد.

ويرى المتحدث باسم الحكومة التركية أنه يؤمن ببراءة الوزراء، لكن يمكن لرئيس الوزراء أن يطلب منهم الاستقالة أو يمكنهم القيام بذلك بملء إرادتهم معربا عن الأمل في أن يلقي القضاء الضوء على هذه القضية.

ويصف أرينج ما يحصل بأنه «حملة تشهير مخطط لها» في إطار «حرب نفسية» ضد حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم منذ 2002 دون اتهام أي طرف.

أرينج: لا فائدة من الإيقاع بين الحكومة وجماعة "كولن"

ويذهب بولند أرينج إلى أن الحكومة التركية على عاتقها الكشف عن منظمات قد تكون مستترة تحت عباءة الدولة، ومتغلغلة داخلها، وأن الحكومة التركية لن تكون أبدا في صف من تثبت عليه جريمة التورط بقضايا فساد.

ويعتقد أن الحكومة ستقف خلف القضاء وتدعم مسيرة التحقيق، حتى لو كان بين المتورطين أسماء مقربة منها، لأن حكومة العدالة والتنمية تقف على مسافة واحدة من الجميع.

ويشدد بولند على ضرورة تسهيل وفتح الطريق أمام سير العملية القضائية، واحترام الأحكام الصادرة عن القضاء، وأن الحكومة التركية تمتلك إرادة سياسية قوية، تهدف إلى اقتلاع جذور الفساد من تركيا.

ويلمح أرينج إلى أن الحكومة التركية تمتلك معلومات حول انتهاء مرحلة متابعة الأمن التركي للمشتبه بتورطهم في قضايا الفساد قبل 6 أشهر، علما أن تلك المرحلة استمرت طيلة 14 شهرا، لافتا أن سير العملية بذلك الشكل، ينم عن حرب نفسية تحاك ضد الحكومة، بغية إجهاضها وتفكيكها.

ويؤكّد أرينج، على أن القانون التركي كفل مبدأ سرّية التحقيقات، واعتبر أن انتهاكها يعد جريمة، وأن الحكومة التركية لا تعلم حتى الآن بمضمون ملفات الادعاء والخروقات، فضلا عن أنها لا تمتلك الصلاحيات من أجل المطالبة بتلك الملفات والاطلاع عليها، إلا أن وسائل الإعلام بثت أخبارا بصور عن اعتقالات شملت رجال أعمال وصحفيين وفنانين، وكل ذلك هو جزء من الحرب النفسية التي تشن على الحكومة التركية.

ويرى أرينج، أنه لا فائدة من الإيقاع بين الحكومة وجماعة «فتح الله كولن» الإسلامية، أو إيهام الرأي العام أن الحكومة تعيش صراعا مع أيّ من الجماعات، لأننا أثنينا على الجهود الحثيثة التي تبذلها الجماعة في مجالات التعليم ومجالات أخرى في تركيا، كذلك نؤمن بأن حبنا لتركيا لا يزيد عن حب الجماعات لها.

ويعتقد بولند أن حزمة الإصلاحات التى قدمتها الحكومة تحمل 20 عنوانا تعزز مجالات الحرية، والشعب كان ممتنا لهذه الحزمة، مشيرا إلى أن الانتقادات أمر طبيعى، لكن بعض الانتقادات أتت قبل أن يتم الإعلان عن رزمة الإصلاحات، ولذلك نحن لا نأخذ هذا النوع من الانتقادات فى الاعتبار. لكن ثمة انتقادات أخرى نأخذها فى الاعتبار وندرسها لأنها تنطلق من خلفية إيجابية تريد الإصلاح لا العرقلة.


أردوغان.. زمن "محاربة الفساد" ينتهي بالفساد


لن تقدر دعوة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على إلجام غضب الشعب التركي للتحرك ضد فضائح الفساد التي هزت حكومة أردوغان وحزبه العدالة والتنمية، ويعيد تعديل نظرته المستقبلية لتوجهات رئيس الوزراء وسياسته.

الاتحاد دعا الشعب التركي إلى الالتفاف حول حكومة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، والحفاظ على الإنجازات «التاريخية» التي حققتها، وطالب «الأقلية المعارضة» باحترام رأي الغالبية العظمى من الشعب التركي، وبالكف عن تدمير ممتلكات الدولة والأفراد، وعدم الانسياق وراء المؤامرات الخارجية، التي تحاك ضد تركيا؛ لمواقفها المشرفة من قضايا أمتها الإسلامية، وعبر عن «تأييده بقوة» للقوانين والإجراءات التي تقضي على الفساد الأخلاقي والاجتماعي بتركيا، وأشاد بالإنجازات التي حققتها حكومة أردوغان، لكن ذلك لن يسكت أصوات المعارضة التي كشفت لها الفضائح الأخيرة محدودية الشعارات التي كان يرفعها أردوغان وأبانت للمجتمع التركي أن الفساد ساكن في محيط الحكومة التركية وفي خاصرة حزب العدالة والتنمية.

ويذهب مراقبون إلى أن القضايا الجديدة التي فتحت في وجه أردوغان وحكومته ستخلق مسارا مغايرا في طريق العدالة والتنمية نحو البقاء في السلطة.

وإضافة إلى أن الشعب التركي أفاق على حقيقة الحزب الذي طالما رفع شعارات مقاومة الفساد ومحاربته، فإن العديد من السلوكات كشفت ما كان يحاول أردوغان وحكومته إخفاءه.

من ذلك الطريقة التي واجهت بها الحكومة الاحتجاجات الأخيرة التي عصفت بالبلاد بعد محاولتها تحويل «جيزي بارك» إلى مسجد، وكانت ممارساتها منتهكة لحقوق الإنسان من خلال القمع الذي نتجت عنه إصابات عديدة في صفوف المتظاهرين.

خطب أردوغان لن تهدّئ الحراك التركي

ثم سعيها الدؤوب وبكل الوسائل إلى تغيير نمط الحياة للمجتمع التركي المتشبع بالمبادئ العلمانية وبقيم الاختلاف والحرية، فعملت حكومة أردوغان على أسلمة المجتمع التركي والسيطرة على المؤسسات الهامة وعلى القرار فيها وما القانون الذي أرادت تطبيقه والمتمثل في الفصل بين الجنسين في سكن الطلاب إلا دليل على ذاك النهج.

وكان أردوغان في كل مرة يحاول التملص من المسؤولية ويعيد توجيه مسار الحدث إلى وجهة مغايرة.

وكما فعل في جل القضايا التي أربكت حكومته يفعل اليوم مع قضايا الفساد التي أصابت حكومته بالصدمة واربكت ردود أفعالها، فقد أشار في تصريحاته إلى أن هناك مؤامرة خارجية تتعرض لها الحكومة وحزب العدالة والتنمية تسعى إلى تقويض الأمن وضرب الاستقرار والاقتصاد التركي وتلك المؤامرة تنقذ بأياد داخلية.

إلا أن حديث أردوغان لم يقنع العديدين لأن كل الوقائع تشير إلى عكس ما ذهب إليه وأن التهم بالفساد مثبتة بالبراهين والحجج.

ورغم ذلك يواصل رئيس الوزراء التركي رفع شعاراته التي تمقت الفساد وتحاربه وتقف في و جهه، لكنه وحسب ما ذهب إليه جل المتتبعين للمشهد التركي فإن زمن الشعارات قد ولى لأن الشعب التركي يقف الآن أمام جملة من الحقائق الساطعة تكشف أين وصل الفساد الذي زعم أردوغان محاربته.

ويعتقد محللون أن هذه الفضيحة التي هزت حكومة أردوغان سيكون لها التأثير الكبير على المستقبل السياسي لحزب العدالة والتنمية بعد أن يكون قد خسر الكثير من شعبيته بفعل الأخطاء والأزمات والفضائح التي تلاحقت زمن توليه الحكم، فهل تكون فضائح الفساد الأخيرة البداية الفعلية لمرحلة بدأت بشعار محاربة الفساد وانتهت بالفساد؟

12