فضائح مالية تهز أركان النظام الجزائري

الخميس 2013/08/15

في هذا الأسبوع استيقظ الشارع الجزائري على دوي عدة فضائح مالية كثيرة تقدر بمئات الملايين من الدولارات الأميركية الأمر الذي أزعج النظام الحاكم الذي لم يستطع التستر عليها أو تسويفها هذه المرَة كما اعتاد أن يفعل في السابق، كما حصل مثلا مع قضية بنك الخليفة وقضية الطريق السيار اللتين لا تزالان معلقتين إلى أجل غير مسمى وبسبب حسابات معقدة تتصل بتورط ضباط ومسولين سياسيين كبار في سدة الحكم.

أخيرا أصدر القضاء الجزائري تسع مذكرات توقيف دولية ضد وزير الطاقة والمناجم السابق شكيب خليل وزوجته ونجليه وذلك بعد أن أصدر المدعي العام بميلان/ إيطاليا في هذا الشهر أمرا دوليا بموجبه يتم القبض على فريد بجاوي الذي لعب دورا محوريا في هذه الفضيحة المدوية.

كما هو معروف فإن قضايا اختلاس في داخل الوطن وكذا تهريب الأموال إلى الخارج من قبل شخصيات لها نفوذ قوي في الدولة الجزائرية كثيرة ولا تحصى، وقد حصلت في السابق وتقدر بعدة مليارات من الدولارات ومضت عليها سنوات ولم تعالج إلى يومنا هذا من طرف كل من القضاء الجزائري ومجلس المحاسبة التابع للدولة.

وقبل نهاية الأسبوع الماضي أعلن وزير المالية الجزائري عبد الكريم جودي أن مخالفات الصرف المالي بالعملة الصعبة قد بلغت 220 مليون دولار، وأنه قد حوّل بنفسه أكثر من 1000 محضر إلى العدالة للتحقيق فيها ولم يبت فيها حتى الآن.

وهكذا تضاف هذه القضية إلى فضائح أخرى أكثر سخونة داخل أروقة الشركة الوطنية سوناطراك النفطية التي تورط فيها مسؤولون كبار في الهرم الأعلى للنظام الجزائري وفي مقدمتهم وزير الطاقة والمناجم شكيب خليل المقال، ولكنه لا يزال حتى الآن طليقا ويتنقل بين أميركا والجزائر والعواصم الأوروبية بحرية تامة، كما أنه لم يخضع إلى يومنا هذا للمساءلة المباشرة سواء من طرف جهاز القضاء الجزائري أو من طرف مجلس المحاسبة التابع مباشرة للدولة.

يبدو أن الحصانة الرمزية التي يتمتع بها الرجل تعود إلى كونه من المقربين للرئيس الجزائري بوتفليقة وإلى أخيه سعيد بوتفليقة، وإلى كونه منحدرا من منطقتهما التي تملك نصيب الأسد من الحقائب الوزارية في الحكومة الجزائرية.

على نحو متزامن قد يتحرك «لوبي» شكيب خليل والشخصيات التي تتستر خلفه داخل أروقة مؤسسة الرئاسة الجزائرية وفي مواقع السلطة الأخرى بطرق سرية وملتوية لتمييع عملية تسليم هذا الرجل للمثول أمام العدالة سواء في إيطاليا أو في الجزائر، وهناك عامل جوهري آخر ويتمثل في احتمال اشتراك شخصيات كبيرة في الحكم في الصفقات التي تورط فيها شكيب خليل وفريد بجاوي إلى جانب شخصيات أخرى أقل أهمية.

الملفت للنظر في هذه القضية الخطيرة هو أن تفجيرها يعود الفضل فيه إلى القضاء الإيطالي الذي فاجأ بها النظام الجزائري. ووفقا للقضاء الإيطالي فإن المتورطين فيها هم من المسؤولين الجزائريين الكبار في مختلف أجهزة الدولة، ورجال أعمال لعبوا دور الوسطاء بين سوناطراك الجزائرية التي تحتكر شؤون النفط والغاز وبين الشركات الأجنبية التي تستوردهما أو تستثمر فيهما منها الشركات النفطية الإيطالية وهي «إيني» و»سايبام» و»بارل بارتينز» .

وفقا للتقارير التي تم بموجبها الكشف عن هذه الفضيحة فإن المدعو فريد بجاوي هو ابن أخ وزير خارجية الجزائر والرئيس الأسبق للمحكمة الدولية بلاهاي محمد بجاوي.

إن سيناريو هذه الفضيحة يتميز بالتشابك والتعقيد وإن كانت بعض خيوطه قد اتضحت الآن حيث أن بطلها فريد بجاوي الضليع في لعب دور الوسيط بين سوناطراك وبين الشركات الإيطالية المذكورة، قد قام بتحويل 100 مليون دولار إلى بنك بسانغفورة و23 مليون إلى بنك بهونكونغ.

كما أن الرجل توسط عند وزير الطاقة والمناجم شكيب خليل للشركة البترولية سايبام للحصول على 7 عقود مع الشركة الوطنية سوناطراك بمبلغ 8 مليارات يورو مقابل 197 مليون دولار كرشاوى، إلى جانب إبرام عقود أخرى لم يتضح بعد مقدارها بالعملة الصعبة. كما أن الوسيط فريد بجاوي قد قام بدفع مبلغ 5.2 مليون يورو للسيد بيتر فارون مسؤول قسم الهندسة والبناء بشركة سايبام البترولية كرشاوى لتسهيل إبرام صفقات مع شركة بيرل بارتيرنيز والتي توجد بهونكونغ ويملكها فريد بجاوي رغم تسجيلها باسم سمير أورايد الجزائري الجنسية.

إلى جانب هذا فإن فضيحة سوناطراك قد كشفت أيضا عن تورط محمد مزيان الذي شغل منصب الرئيس المدير العام لمجمع سوناطراك حيث أنه متهم باختلاس مليون و750 ألف دولار، أما ابنه فقد أسندت إليه مهمة مستشار مقابل 10 آلاف يورو شهريا، وفضلا عن هذا فقد اتهم محمد رضا همش مدير الديوان الرئيس المدير العام لسوناطراك محمد مزيان بالاستفادة من مبلغ مليون و750 ألف دولار.

الجدير بالذكر أن هذه الفضيحة لا يزال البحث في تفاصيلها مبكراً وقد تجرّ التحقيقات إلى نتائج أكثر خطورة من المحتمل أن تعصف بمصداقية مرحلة الرئيس بوتفليقة كلها، الأمر الذي سيؤدي إلى فتح النار على المحسوبين عليه من مسؤولين في قصر الرئاسة بالمرادية وبداخل الحكومة، وقد يؤدي كل هذا أيضا إلى خلط الأوراق وتأجيل الانتخابات الرئاسية حتى تستقر الأوضاع وينظف النظام أيديه بطرق ملتوية عوّدنا عليها مراراً.

5