فضائل النخبوية

الجمعة 2016/07/08

تثبت الأيام أن الآداب والفنون ظواهر نخبوية، يرتبط انتشارها بسوية المجتمعات الثقافية والمعرفية، وكلما كبرت النخبة واتسعت دائرتها، كان ذلك مؤشرا على تقدم المجتمعات، وبالتالي فإن ضعف النخب وقلة عدد المتفاعلين مع الآداب والفنون، مؤشر على التخلف.

فالنخبوية هنا لا تستدعي الانتقاد أو المحاكمة أو التجريم، ولا هي مؤشر على حالة فصام أو انفصال عن المجتمع، كما يحلو للبعض من المنتقدين أن يقولوا، ولا علاقة لها، أيضا، بالعدد أو النسبة المئوية، فثمة مجتمعات غالبية سكانها من النخبة، ولعمري هذا أقصى ما ينشده الاجتماع الإنساني، على مر الدهور. ألم يكن حلم المدينة الفاضلة دليلا مرشدا للكثير من المدارس الفلسفية الفكرية ولغالبية الحركات السياسية والاجتماعية والدينية؟

النخب هي التي تعطي للمجتمعات روحها، فمقياس تقدم أي مجتمع يرتبط بشكل أو بآخر باتساع نخبه الثقافية والفكرية، ومن ذلك، مؤشرات إقبال الجمهور على الفنون والآداب. كلما ارتفعت أعداد مشتري الكتب، ورواد الصالات التشكيلية ومقتني اللوحات، وأعداد العروض المسرحية والموسيقية، كان ذلك مؤشرا على التقدم والسعادة.

وحين تكون الفنون والآداب حاجة يومية في مجتمع، مقابل ندرتها في مجتمع آخر، فحتما، ستقودنا المقارنة إلى نتائج صادمة عن الفوارق الكبرى بين المجتمعين، على الصعد كافة، ليس أقلها الارتباط الوثيق بين السوية الثقافية، وبين السويات الحياتية الأخرى، من تكنولوجيات ورفاه وحقوق إنسان، ومشاركة سياسية!

حين انهارت المنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية، لم تجد تلك المنظومة نخبا ثقافية أو فكرية تدافع، رغم توهم القائمين على تلك الأنظمة بأنهم كانوا يبنون مجتمعات متحررة من النخب معادية للنزعات الفردية، فكانت النتيجة، فشكلا مركبا لا تزال تعانيه الكثير من تلك الدول، رغم محاولات إدماجها في منظومات متقدمة!

في بلادنا العربية، تتقلص النخب وتتآكل يوما إثر يوم، رغم قلتها في الأساس، ويترافق ذلك مع انهيار المجتمعات، وتشظي الهويات، والسبب كما أثبتت الوقائع، تقلص الحريات الفردية، وعزل السياسة عن المجتمع، وتغول الفساد بأشكاله كافة، رغم ما كان يبدو على تلك الأنظمة المنهارة من تبنيها للمهرجانات الثقافية وافتتاحها صالات وقاعات عروض فنية، ومحاولات الإيحاء بمأسسة الحالة الثقافية.

نهوض المجتمع يرتبط بحيوية الحياة الثقافية، والحياة الثقافية ترتبط بجملة معقدة من العوامل الأخرى، منها حقوق الإنسان وكرامته، وتمكين الخصوصية الفردية، والأهم من كل ذلك تعزيز النخب وتسهيل حياتها، ورفدها بشرائح إضافية، لا محاربتها ووضعها كنقيض في معركة الاستحواذ على المجتمع، ولعل بلاغة درس الربيع العربي، أقوى من جميع الدراسات المستقبلية التي باعت الأوهام بدوام الحال على ما كان عليه.

كاتب من سوريا مقيم في الإمارات

14