فضائيات الكراهية نجومها رجال دين

الاثنين 2016/12/05

نحن مدينون لوسائل التواصل الاجتماعي التي نشّطت العديد من مفاصل الحياة وغيّرت أنماط العلاقات بين البشر. مصطلح الثورة، هو أحد تجليات فعل تلك الوسائل في العقل الجمعي. لقد نقلت وسائل التواصل هذا المصطلح من فضاء تقليدي إلى فضاء آخر، يمكن نعته بما بعد الحداثي.

ثورات “الربيع” العربي، التي أفادت من وسائل التواصل بل وانطلقت منها، وبالرغم من تقهقرها اللاحق، إلا أنها قدمت نموذجا جديدا للثورة. إنها ثورات تنطلق من منصات حداثية قادرة على الوصول إلى أبعد المناطق جغرافية، وأكثر العقول صرامة، في الآن ذاته. أما لماذا تقهقرت تلك الثورات فهو موضوع آخر، ولكن يكفي القول في هذا المقام إن أحد الأسباب الرئيسة لهذا التقهقر يكمن في بروز طبقة رجال الدين القادرة على سرقة أعظم الأحلام وتحويلها إلى واقع مرّ وظلم. ولكن من الذي دفع برجال الدين هؤلاء إلى الواجهة؟

أفاقت الشعوب العربية على عدد لا يحصى من الفضائيات التي تبثّ على مدار الساعة، ويقودها، بالمال والإدارة، رجال دين. أما نجومها فهم رجال دين أيضا، ولكنهم متأنقون! تبثّ تلك الفضائيات المئات من الساعات التلفزيونية في اليوم عبر برامج لا تقدم سوى وجبات تضخ الكراهية في عقول المتفرجين، وهي كراهية تتقصد أمرا أساسيا هو الحياة. لقد بذلوا كل ما يملكون من أجل جعل الحياة محتقرة. وأن كل شيء في الحياة محتقر. وضمن هذه اليافطة العريضة تم التنكيل بالمجتمع المدني، بالديمقراطية والتسامح. بالتعايش. بالمرأة. بالتداول السلمي للحكم. بالملابس والأغاني والسيارات. بالطبخ والفرش والسفر. بالقراءة والسياحة. ومن المؤكد أن مثل هذا الخطاب سيؤدي إلى آثار جانبية ومن أبرز ضحاياه الأقليات الدينية والفكرية. تم تكفير الآخر المختلف بكل يسر. وتم سحق الديانات الصغيرة بلا رأفة. أما أصحاب الأفكار المختلفة فمغضوب عليهم على الدوام. هؤلاء لم يعد يكفي معهم التكفير، بل القتل بطرق مبتكرة في وحشيتها.

ومع القوة الهائلة التي يتمتع بها رجال الدين في منطقتنا، والتي يمكن أن تعود جذورها لثورة الخميني في إيران التي انطلقت آنذاك بثورة الكاسيت، ثم عززتها ثورات “الربيع العربي”، والمنصات الحداثية للتواصل الاجتماعي، أصبح هؤلاء، أي رجال الدين، بمثابة آلهة على الأرض. يمتلكون أموالا طائلة وقدرة على تجنيد الأتباع، وضعوا أنفسهم في مصاف المقّدس الذي لا يأتيه الباطل لا من يمين ولا من شمال. كما أصبحوا نجوم مجتمع ينافسون بقوة حضورهم نجوم الطرب وعالم الموضة.

حدّثني مخرج تلفزيوني أردني عن رجل دين “شهير” جدا صوّر برنامجا تلفزيونيا من ثلاثين حلقة في عمّان قبل سنوات. قال لي هذا الصديق إنه تعامل مع العشرات من المشاهير في عالم الموسيقى والغناء والرياضة والأزياء العرب، ولكنها المرة الأولى التي يتعامل فيها مع رجل دين، ولقد هاله أن يرى رجل الدين هذا يحيط نفسه بالعشرات من الخدم والحشم الذين يهيئون له كل شيء قبل التصوير. هؤلاء، لا يعنيهم كادر العمل التلفزيوني الذي أقوده، فهم يفهمون في كل شيء. قال لي صديقي: هذا ليس رجل دين بل هو نجم تلفزيوني بلباس رجل الدين! ذكرني بكيم كاردشيان!

والآن، ما الذي قدمته وسائل التواصل الاجتماعي في التهيئة لثورة ما بعد ثورات “الربيع العربي”، وربما لتصحيح مسار تلك الثورات؟ الثورة الجديدة القادمة التي أقصدها هي تلك التي ستطيح بسلطة رجال الدين، وربما إلى الأبد. أما إمارات هذه الثورة فلقد بدأت بالفعل، ومسرحها فيسبوك وتويتر ويوتيوب وغروبات الفايبر وواتس آب. تداولت مقاطع لرجل دين وهو يتحدث بحديث غير منطقي أو لا يلائم العقل العلمي الحديث. المقاطع تنتشر مثل النار في الهشيم من أجل إثارة الضحك والمتعة والسخرية. مقاطع تسطّح أفكار رجل الدين، تسخر منه فاضحة عوراته التي يريد أن يخفيها فيفشل. وعي الناس هو ليس وعي بدايات القرن الماضي عندما كان رجل الدين يجلس على دكة عالية فيتلقى المستمعون تحت قدميه ما يقوله وكأنه الحق. استمرار تدفق مقاطع الفيديو المأخوذة أو المجتزأة من محاضرات “دينية” طويلة، سيفعل فعله في تسخيف فكرة رجل الدين المقدس، وفضح أكاذيبه وادعاءاته، وهو الهدف المرجو من أجل الإطاحة بسلطته المتضخّمة.

لا يعقل أننا نعيش في القرن الحادي والعشرين فيما رجل الدين المتنعم بكل اختراعات ومكتسبات علوم هذا القرن، يمنعنا ممّا يتمتع به هو بل ويحذرنا من كل ما هو إنساني بحجة أن ذلك ضد الله.

الثورة القادمة هي ثورة الإنسان المقهور ضد ظلم طبقة رجال الدين التي تحالفت مع كل شيء من أجل أن يظل البشر عبيدا لهم.

كاتب عراقي

18