فضائيات مدبلجة

الأربعاء 2015/10/07

طغت على شاشات الفضائيات العربية في السنوات السبع الأخيرة المسلسلات والأفلام الأجنبية المدبلجة باللهجات العربية الدارجة، وبعد أن انتشرت الأعمال التركية “المتمنطقة” باللهجة السورية محققة نجاحا شعبيا واسعا، تنافست القنوات على بثها وأقبل المعلنون على نشر دعاياتهم قبل الحلقة أو بين الفواصل العديدة التي تتخلل بث كل حلقة من المسلسل التركي “الجذاب” بنسائه وشبابه “الحلوين” وبحكايته التي لا تنتهي بمواقفها الميلودرامية والرومانسية التي تحوم حول نفسها، وكلما كادت عقدة درامية أن تجد حلها فتحت نافذة لعقدة جديدة بين ذات الأبطال.

وقد أدى المردود الإعلاني السخي لتلك المسلسلات إلى إقبال بعض المنتجين على خوض غمار هذا النوع من الإنتاج، وهكذا تبع موجة الدوبلاج السورية موجات للدبلجة في لهجات محلية عربية أخرى، فظهرت مسلسلات وأفلام بالعامية المغاربية والخليجية والعراقية التي تخصصت لها فضائية باسم “لنا” لا تذيع على شاشتها سوى مسلسلات هندية وباكستانية قامت تلك القناة المستحدثة بدبلجتها ذاتيا باللهجة العراقية الدارجة في قسم خاص أسسته للدوبلاج وعينت فيه فنانين ومخرجين ومترجمين بوظائف شبه ثابتة!

إن ارتفاع نسبة الأمية في الوطن العربي جعل المشاهدين يقبلون على مشاهدة المسلسلات المدبلجة بعد أن ملوا من البحلقة في جمل الترجمة المكتوبة على الشاشة للأفلام الأجنبية المتدفقة على العشرات من الفضائيات العربية.

إن نقل بعض الأعمال الأجنبية إلى لغة يفهمها المشاهدون المحليون وخاصة الأميين، فيه شيء من العدالة والإنصاف، ولكن لماذا يكون ذلك باللهجات المحلية الدارجة؟ ولماذا لا تكون الدبلجة بلغة عربية مبسطة كتلك المحكية في الأوساط المتعلمة والتي استعملناها في برنامج “افتح ياسمسم”، الذي أشرفت على إنتاجه وإخراجه طوال عشر سنوات، والتي أطلقنا عليها اسم MSA Modern Stnderd Arabic فقدمنا فيها 390 حلقة للأطفال العرب في كل مكان بلغة عربية سليمة مفهومة لم يشك أحد من عدم فهمها وما زالوا يذكرونها ويحفظون أغانيها ومشاهدها الكوميدية وكلها بالفصحى البسيطة السلسة.

إن الادعاء بأن المشاهد الأمي لا يفهم اللغة العربية السليمة إدعاء مرفوض، فالمواطن العربي، وحتى الأمي، يعيش في جو مفعم باللغة العربية الفصحى ويفهمها، فهو يسمع القرآن الكريم كل يوم بالفصحى الراقية ويؤدي الصلاة بالفصحى ويسمع نشرات الأخبار بالفصحى، ويسمع التلاميذ في بيته يراجعون دروسهم بالفصحى ولا يعجز عن فهمها.

وهنالك من يدعي بأن الدراما بالفصحى ثقيلة على السمع ولا يرتاح لها المستمع، وهذا زعم مردود بالبرهان، إذ يمكننا أن نذكر العشرات من الأعمال التلفزيونية التي تقدمت باللغة العربية ونجحت نجاحا كبيرا، إن ما ينفر منه المشاهد في الدراما ليس اللغة الفصحى وإنما الأداء المفتعل والتكلف في النطق والتشدق بالكلمات.

باختصار إن سوء أداء بعض الممثلين وعدم اتقانهم لأدوارهم جعل المشاهدين ينفرون من أعمالهم لا لكونها بالفصحى، ولنتذكر المسلسلات التي دبلجها الفنانون اللبنانيون عن الأسبانية في السبعينات والثمانيات من القرن الماضي، كانت جميعها بالفصحى السليمة المبسطة بأداء فيه اتقان ومهنية مريحة.

يتضح من كلامي أنني اعترض على الدوبلاج باللهجات العامية الدارجة. نعم، وعندي أسبابي، وأولها طبعا من ناحية “العروبة” أن ذلك يزيد من ترسيخ اللهجات المحلية ولا يساعد على نشر الفصحى بين المواطنين، والأمر الآخر من الناحية الاقتصادية الإنتاجية وتخفيض التكاليف، بإنتاج عمل مدبلج واحد بدلا من عمليات دوبلاج متعددة لا مبرر لها.

أما الإشكالية الأكبر فهي أن الدوبلاج بلهجة عامية دارجة يخلق نوعا من الغرابة المربكة، إلى حد السخرية أحيانا، أن ترى تلك الشخصيات الأجنبية بكل تفاصيلها تنطق بلهجاتنا الملتصقة ببيئتنا من حيث التداعيات والدلالات والرموز، ومن جهة أخرى، وهي الأكثر خطورة، أن تكلم شخصيات المسلسل بلهجاتنا قد يجعل المتفرج يتوهم بأنه يرى عملا محليا يدور في مجتمعه، وأن العلاقات الاجتماعية والأخلاقية في المسلسل، والتي لا تخلو من فساد أحيانا، ربما تدور في مجتمعه ووطنه ما دامت تتحدث بلهجته المحلية، فيتماهى مع شخوصها وأحداثها وقيمها، خاصة وأن المسلسلات والأفلام التركية والباكستانية وبعض الهندية تدور غالبا في محيط إسلامي من حيث انتماء الشخصيات دينيا، وإن تلك السلوكيات المتشابكة، وخاصة المنحرفة منها، قابلة للحدوث في مجتمعه ما دامت تتحدث لهجته، وتزداد خطورة هذا التأثير النفسي السلبي خاصة بين الشباب والفتيان والمراهقين من الجنسين.

18