فضائيات مسيحية وإسلامية تفتح أبواب التحريض الديني

الجمعة 2015/04/03
مهمة المؤسسات الدينية الوقوف في وجه الفضائيات المحرضة على العنف والتطرف

دبي - وسائل الاتصال الحديثة والفضائيات استغلتهما بعض الأطراف المتشددة سواء كانت إسلامية أو مسيحية في بث الفرقة وإذكاء الصدام بين الأديان وفتح باب التحريض المذهبي والطائفي، ما جعل مسألة التبرؤ من هذه الفتنة التي تسعى إلى تقسيم البلدان العربية تُلقى على عاتق المؤسسات الدينية من أجل تجديد خطابها للتقريب بين الرؤى وردم هوة الخلاف بين المذاهب والطوائف.

ظاهرة الفضائيات الدينية ليست بجديدة في المنطقة العربية، فقد مثلت قناة “اقرأ” أول قناة دينية إسلامية في المنطقة العربية عام 1996، والتي استفردت بجمهور المتدينين لعدة سنوات حتى ظهرت قنوات أخرى كـ”الرسالة” و”المجد” و”الناس”، وقد استطاعت هذه الظاهرة أن تستقطب جمهورا واسعا في المنطقة العربية، فاستحوذت على ما يقرب من 40 بالمئة من جمهور الفضائيات العربية، مع العلم أن نسبة هذه الفضائيات من المجموع الكلي العربي لم يزد عن 8 بالمئة.

أما عن الفضائيات المسيحية فمن الصعب إحصاء العدد الحقيقي لها في المنطقة العربية، وهذا الإشكال مرتبط بطبيعة المضامين التي تقدمها، وفيما إذا كانت تحمل رسائل إيمانية وتعاليم دينية خالصة، أم تحوي مضامين متنوعة، بما في ذلك مضامين دينية وبعضها تبشيري، زد على ذلك أن بعضها يظهر ويختفي من حين إلى آخر، وبعضها الآخر يغير من اتجاهه ومضامينه بحسب اعتبارات عدة كالسوق والظروف المالية والجهة الممولة.

وقد مثل ظهور الفضائيات الدينية والتبشيرية بشكل عام أحد المداخل لتفكيك النسيج الاجتماعي وإضعاف تضامنه، كونها تحاول أن تخلق وعيا للجماعة المستهدفة على ذاتها، وأن تنشئ تصورا لطبيعة وجودها كجماعة، وذلك عبر تنظيرها العالي لخصائص الجماعة الاجتماعية، حيث ينشأ شعور متمايز للجماعة بهذه الخصائص يدفعها للتفاعل داخل المجتمع على أساس هذه الخصائص، الأمر الذي يترتب عليه تدني التفاعل على أساس الخصائص العامة التي تمثل شبكة الأمان الاجتماعية للجماعات المختلفة التي يتكون منها المجتمع، والتي يعهد إليها دوما بغزل نسيج المجتمع وتمتينه.

يؤرخ البعض لبداية التفكير بإنشاء القنوات المسيحية بتوصيات منتدى “منظمة أقباط الولايات المتحدة” الذي ناقش اضطهاد الأقباط وأوضاعهم في مصر، وقد جاء على الموقع الإلكتروني للمؤتمر أنه “لم يبق أمام الأقباط في الوقت الحالي سوى الاستثمار في الإعلام.. لذا، فالحاجة الأَولى والمُلحة الآن هي التفاف الجميع حول مشروع قناة فضائية قبطية.. لا تخجل من فتح الملفات المتراكمة، وتكون الصوت الوطني وسط النشاز والزعيق والنهيق الإعلامي”. تبع ذلك مؤتمر عقد في كندا عام 2004، ناقش موضوع توفير دعم لإنشاء قنوات فضائية قبطية توجه للمنطقة العربية.

الفضائيات الدينية هي بمثابة أدوات فعالة في إذكاء نار التحريض المذهبي والطائفي في منطقة الشرق الأوسط

بشكل عام فإن وسائل الإعلام، والفضائيات (الدينية) على وجه الخصوص، هي بمثابة أدوات فعالة في إذكاء نار التحريض المذهبي والطائفي، وتزايدها المطّرد خلال السنوات الماضية، سواء أكانت سلفية أو شيعية أو مسيحية، مرتبط بتطورات الأزمات الداخلية في المنطقة العربية.

ومن ذلك، فإن فهم معادلة التحريض الديني التي تشهدها المنطقة العربية، ومصر على وجه الخصوص، لا بد أن تتوقف في جانب منها عند النمو المتصاعد للفضائيات التبشيرية المسيحية التي وصل عددها إلى ما يقرب من 30 فضائية، بعضها يبث من خارج المنطقة العربية كالولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وبمصادر تمويل مجهولة، الأمر الذي يضع علامات استفهام حول أهدافها وغاياتها.

تصاعد الجدل خلال الأعوام المنصرمة حول مسألة إغلاق السلطات المصرية القنوات السلفية مقابل السماح للقنوات المسيحية بالعمل، وعلى الرغم من أن إغلاقها جاء بحجة التحريض المذهبي والديني والسياسي، فإن الحجة نفسها لم تسر على بعض القنوات المسيحية التي تحمل في مجملها مضامين تبشيرية، ومنها ما يهاجم الإسلام بشكل واضح، منها على وجه الخصوص: “الحياة”، “أغابي”، “الملكوت”، “الكرمة”، “المعجزة”، و”الأرثوذكسية الأولى”.

في غمرة التوترات الداخلية التي تشهدها بعض البلدان العربية، وتحديدا مصر منذ عام 2006، تصاعدت وتيرة التحريض الديني في الفضائيات المصرية، وتحديدا بين الفضائيات السلفية منها والمسيحية، ومنها على سبيل الذكر لا الحصر، هجوم داعية سلفي عبر قناة “الرحمة” على أقباط مصر واتهامهم بأنهم أعداء الله.

في مقابل ذلك قناة “الحقيقة” التبشيرية التي تبث من الولايات المتحدة، وسمحت لها السلطات المصرية بالبث على قمر النايل سات، خصصت برنامجا لمهاجمة الإسلام والتشكيك في مبادئه.

ترفض القيادات القبطية المصرية، من جانبها، وتتبرأ من أيّ جهة تمارس التحريض الديني، خصوصا تصاعد أعمال التحريض خلال الأعوام الأربعة الماضية، التي شارك فيها دعاة ورجال دين مسلمون ومسيحيون، من بينهم الداعية المصري وجدي غنيم، الذي توجه له أصابع الاتهام بالمسؤولية عن التحريض على الاعتداء على الكنائس المصرية.

كما يقدم القمص بطرس برنامج “معرفة الحق” على قناة “الفادي”، والذي يخصصه لمناقشة كتاب الأزهر “حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين”، بالإضافة إلى برنامج آخر يحمل عنوان “حقيقة محمد”، الذي خصص لمهاجمة النبي محمد والتشكيك بأفعاله، ومن ذلك مثلا حلقات “محمد والإرهاب” و”حروب محمد” و”انتشر الإسلام بالعنف والقهر والإرهاب”.

في المجمل، فإن الفضائيات التبشيرية -النشطة منها على وجه الخصوص- أدت دورا مؤثرا في إثارة القلاقل داخل المجتمعات العربية، وفي تفتيت اللحمة الداخلية والهويات الوطنية في المنطقة العربية، أسوة ببعض الفضائيات الإسلامية المتشددة، خصوصا تلك التي تبث مواد تحريضية ضد المسيحيين في المنطقة العربية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خلاصة من بحث محمد أبوالرَّب "الفضائيات المسيحية طرف في إذكاء الكراهية"، ضمن الكتاب 95 (يناير 2014) التبشير في المشرق وأفريقيا الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث - دبي.

13