فضح المسكوت عنه.. جرأة أم تهور

الأحد 2013/11/24
الأدباء والاعتراف.. مواجهة الذات والعالم

تعود الاعترافات في جذرها اللغويّ إلى «عرف»، وتتقاطع مع المعرفة في الجذر نفسه، أي أنّها تنهض على فكرة رئيسة وهي الانطلاق من قوّة داخليّة، بناء على طاقة ومقدرة ويقين بأنّ المنشود منها يكون هامّا وضروريّا، وإلّا لما استدعى ذلك من الأديب الخوض في موضوع دقيق وحسّاس، قد يكلّفه الكثير، وربّما يضعه في مواجهة مع الذات والآخرين والرقابات المختلفة، سواء كانت سلطويّة أو اجتماعيّة.

لا شكّ في أنّ بلوغ مرحلة وعي الاعتراف يحتاج إلى جرأة، لأنّ الأديب سيجد نفسه أمام تحدّيات كثيرة، وربّما يتعرّض لمخاطر التشهير في بعض الأحيان. وقد تكون الرغبة في التغيير من أبرز ما يدفع الكاتب إلى تقديم اعترافاته لقرّائه، ويزخر تاريخ الأدب بالكثير من الاعترافات التي ترد في سياقات أدبيّة مختلفة، روائيّة أو شعريّة أو في السير.

من بين الاعترافات التي كان لها صداها الكبير، اعترافات الروائيّ اليابانيّ يوكيو ميشيما (1925-1970) الذي سعى إلى التغيير المنشود في بلده، وذلك في رواية «اعترافات قناع» 1949، حيث تناول موضوع اغتراب البطل عن واقعه، واعترف بانطلاقه من سيرته واعتماده عليها، مما وضعه في مواجهة مباشرة مع المحيطين به، ولا سيما أنّه قدّم بعض الحقائق، وتحدّث عن بعض السلوكيّات الشاذّة التي يقوم بها، وكان بتلك الاعترافات يُسقط الأقنعة التي يتخفّى خلفها، وليشجّع الآخرين على الاعتراف بالأخطاء، وعدم الخجل من نقد الذات، للنهوض بالمجتمع والوطن. يبتدئ بنفسه، ينزع أقنعته بنوع من الاعتراف المؤلم، ليفتح الطريق أمام غيره. وكان انتحار ميشيما تاليا بمثابة اعتراف منه بسلطة الماضي عليه، لأنّه كان مفتتناً بقيم المحارب اليابانيّ القديم الذي كان يؤمن بعقيدة الانتحار كتكفير عن الذنب، أو من باب التضحية للتشبّه بالمحارب، واختيار النهاية حين تكون في الموت بتلك الطريقة عبرة ما.

كما نجد الروائيّ الكولومبيّ غابرييل غارسيا ماركيز (1927) يعترف في سيرته «عشتُ لأروي..» 2002، بالكثير من الحقائق التي كانت غائبة ومحتجبة عن القارئ، يعترف بتردّده وضعفه في كثير من الأحيان، ولا سيما حين الإقدام على الكتابة، كما لا يتوانى عن سرد الكثير من المحطّات التي كان فيها على أعتاب الفقر والجوع، وكيف أنّه تخطّى ذلك كلّه للوصول إلى هدفه، وهو أن يصبح كاتبا كبيرا. خاصّة وأنّه لم يتوقّع النجاح وهو في سنته الجامعيّة الأولى.

ماركيز يعترف بخدعه الروائية

اعترف ماركيز بخدعه الروائيّة، وكيف أنّه استلهم قرية ماكوندو الشهيرة في أعماله من بلدة أراكاتاكا التي عاش فيها.. ثمّ تتالت إنتاجاته البديعة حتّى توّجت مسيرته بنيله جائزة نوبل سنة 1982.

وقد قدّم الروائيّ المغربيّ محمّد شكري (1935 -2003) في روايته «الخبز الحافي» اعترافاته كاملة، أرّخ لسيرته وسيرة جيله، ورغم ما ورد فيها من جلد للذات، وفضح لكثير من السلوكيّات، إلا أنه تمكّن عبر تسريب تلك الاعترافات في ثنايا الرواية من تسجيل اسمه في سجلّ الروائيين العرب كأجرإ من تحدّث عن سيرته الذاتيّة في سياق روايته، التي اتّكأ فيها على سيرته. اعترف بضعفه وبعض التصرّفات الشائنة التي أقدم عليها..

وليس ذلك إلا محاولة منه لتخطّي ذلك، وتقديم نفسه دون ترقيع، متفانيا في خدمة الأدب، وإن كان ذلك عبر ممارسة نوع من الإيلام بحقّ الأديب نفسه، واستطاع شكري استعادة توازنه النفسيّ وصلابته بعد اعترافه ذاك، وكان للاعتراف مفعول السحر في الثقة بالنفس وتقويم المسار.

أمّا الروائيّ اللبنانيّ ربيع جابر فإنّه يقدّم في روايته «الاعترافات» 2008، سردا لوقائع مرحلة أليمة من تاريخ لبنان؛ توحي الاعترافات بأننا على أعتاب رواية سنتعرّف من خلالها إلى المخبوء والمخفيّ، كأنّ كاتبها قد اتّخذ قراره بإفشاء الأسرار، إذ يعترف راويه مارون على الملإ بما سمعه وشاهده وعايشه، يكون منقسما على نفسه، تائها بين شخصيتين تتناهبانه، أحدهما لم يعد يتذكّره والآخر لا يعرفه تمام المعرفة، ويتنكّر له الآخرون رغم التعاطف الكبير معه، ورغم الاندماج الذي كان يشعر به، لكنّه بقي بعيدا عن الحقيقة التي لن يكتشفها.

تكون ذاكرة المعترف -الذي يأمل في أن يصبح نموذجا- مثقلة بكثير من الحروب الأهليّة، حروب تتناسل من بعضها، ويحضر فعل الاعتراف من قبل الروائيّ دافعا لقول الحقيقة والمكاشفة قبل فقدان الذاكرة، وقبل الرحيل، ذلك كي يكون هناك متّسع من الوقت للبحث عن الأهل ولمّ الشمل، أو للراحة والإراحة..

وتكون الاعترافات مؤلمة لأنّها لا تخفي العورات، بل تشير إلى بواطن الأمور، ليكون هناك بحث عن التداوي بدلا من توارث الأدواء والعلل.

ويتقاطع الأفغانيّ عتيق رحيمي في روايته «ملعون دوستويفسكي» 2012، مع ربيع جابر في موضوع الاعتراف ومدى قدرته على تجاوز المرحلة، ليتحوّل الاعتراف بالذنب إلى فعل تحريضيّ للانتقال إلى المرحلة التالية التي يكون فيها التخفّف من الذنوب، حيث يحاسب كلّ امرئ نفسه قبل أن يقدم على محاسبة غيره، يدين رحيمي الحروب الأهليّة ويعرّي نتائجها الكارثيّة. يحرّض على التمتّع بجرأة الاعتراف في زمن الإجرام دون اعتراف؛ يتقدّم بطله رسول من جمع القتلة، يقدّم نفسه على أنّه المجرم المذنب، يعترف بجريمة لم يرتكبها، ليحضّ الآخرين على إيقاف جرائمهم المتعاظمة..

عتيق رحيمي يتمتّع بجرأة الاعتراف في زمن الإجرام دون اعتراف

وقد شهدت الساحة الأدبيّة العالميّة مؤخّرا اعترافا مدوّيا، عبر إعلان الروائيّ الأميركيّ فيليب روث (1933) اعتزال الكتابة، وقد كان النبأ مثيرا لكثير من السجال، ومستغربا للقرّاء، إلّا أنّ روث أقدم على اعترافه بأنّه لن يقدّم شيئا جديدا مختلفا عمّا قدّمه، وأنّه قدّم ما يمكنه تقديمه، أي أنّ اعترافه يأتي صدمة.

وفي الوقت نفسه يشكّل مدعاة للتقدير، إذ يقرّ بأنّه قد يكرّر ذاته، وأنّه يجدر به الاعتزال طالما لن يقدّم جديدا. وهذا الاعتراف لروائيّ كبير تجاوز الثمانين من عمره، يشكّل تحدّيا لتجاوز الأنانيّة، والاعتراف بسلطة الزمن وقدرته على الحدّ من الإمكانات.

الاعترافات في الأدب تؤكّد أنّه يمكن للاعترافات في الواقع أن تمارس دورا محوريّا في تخطّي الأزمات، عبر التمهيد الواعي لمراحل لاحقة يكون فيها التوادد سمة رئيسية، والتشجيع على تخطّي الأنانيّة، واستلهام العبر من الأخطاء المرتكبة في محاولة لعدم تكرارها، لأنّ التشخيص الدقيق يستلزم الاعتراف الصادق بالعلل بغية توصيف الدواء الأنجع لها.


تبديد الشكوك


تحظى مذكّرات المشاهير واعترافاتهم باهتمام القراء، لأنّ هناك فضولاً متجدّداً إلى اكتشاف جوانب خفيّة ربما يبوح بها وعنها كاتب المذكرات، وعسى أن يساهم ما سيكشف النقاب عنه في فهم بعض الأحداث والحِقب بطريقة مختلفة، أو عساها تساهم في تبديد الشكوك حيال أمور وقضايا بعينها، مع أنها قد تزيد الشكّ وتفعّله، ولاسيّما حين يتحلّى القارئ بحسّ التقصّي والنبش بين السطور، للبحث عن الدفين والمخبوء، وما لم يتمّ الاعتراف به في الاعترافات.

وقد تساعد كذلك في فهم جوانب غامضة من شخصيّات أصحابها، وتفهّم بعض الأدوار التي اضطرّوا للقيام بها، وبعض القرارات التي اتّخذوها، ثم يكون هناك هاجس هامّ، وهو البحث عن مكامن بناء الشخصية وتقويتها لتغدو متفرّدة في مجالها، بالغة درجة القوّة، وحتّى القسوة ربّما، في التعامل مع الذات كموضوع قابل للنقد والمساءلة والتفكيك والتقريع.

محمّد شكري يؤرّخ في روايته "الخبز الحافي" لسيرته وسيرة جيله

فتح الفرنسيّ جان جاك روسو في اعترافاته التي كتبها الباب واسعاً أمام الجرأة في «فضح» الذات، والوقوف أمام الآخر وتقديمه نفسه بعيداً عن أي تجميل أو محاولة تهرّب ممّا هو عليه. وهناك حالات كثيرة تحلّى فيها الكتّاب بجرأة في كتابة سيرهم وتقديمها للقراء بما تحتويه من سقطات تبديهم في حالتهم البشرية بعيداً عن إضفاء أية مبالغة عليهم، كآرثر ميللر في كتابه «البوتقة» وجون ستيوارت في كتابه «الحرّية الشخصية»، ويحمل الاعتراف عادة صيغة التصالح مع الذات، ورسالة مفادها أنّ الإرث الذي يثقل الكواهل يُزاح عنها بالاعتراف ويتمّ التخفّف من أعباء حملها ومشقّات التكتّم عليها.

من خلال التعرّف إلى عدّة صيغ لكتابة المذكرات/ الروايات التي تطغى عليها صيغة الاعترافات، يمكن استشفاف وجود الكثير من السبل لتقديم «الحقيقة» للقراء، لتكون شهادات تاريخية عن الحقب التي عاشت فيها الشخصيات المقدّمة، وعن دورها فيما عاصرته، مع اختلاف الدور من شخصية لأخرى، ومدى تأثير ذلك في الآخرين، والمسعى الذي تحرص عليه في سبيل إتمام الرحلة عبر إيصال الغاية والاعتراف بما كان دون تعتيم

وفي كلّ الأحوال، تقدّم الاعترافات سبراً لحيَوات الشخصيات وأدوارها بحيث تفتح للقارئ كوّة للتعرّف إلى جوانب مختلفة منها، تساعده في فهم تطورها، وتساعده في الإفادة من تجاربها، بحيث تبث الأمل، برغم ما قد تشتمل عليه من ألم.

وتقدم للقارئ صورة مقربة عن الكاتب بقلمه، وبمعزل عن أيّة مبالغات، هذا مع عدم إغفال ما يتحلى به كتاب السيرة الاعترافيّة من مغامرة جعل أنفسهم أبطالاً يتماثلون مع أبطال أعمالهم، وربما يتفوقون عليهم في هذا الجانب.

وهذا ما يعكس خطورة الانقياد وراء تضخيم الأنا أو البحث عن تعظيم لها عبر تأثيمها وإبراز جوانب الضعف فيها.

يتخطّى المعترف حرَج اللحظة، ومأزق الآنيّ، لأنّه يسعى إلى الراحة، وإن كان ذلك عبر الإقلاق المضاعف الذي يتسبّب به للآخرين جرّاء إقدامه على الإفصاح عمّا خفي من أمور، ولا يفترض بالاعترافات أن تكون فضحاً وجلداً للذات أو إدانة متتالية لها، فقد تحمل بذور العبرة وحكايات التأسيس لشخصيّة قد تكون علامة فارقة في مجالها.

12