فضيحة الفساد تقطع حبل الود بين أردوغان وأوغلو

السبت 2014/12/27
هل انتهى شهر العسل بين أردوغان وداوود أوغلو

أنقرة - طفت على السطح فضيحة من نوع آخر في تركيا لا تقل وطأة عن فضيحة الفساد التي بات صداها يتكرر يوما بعد يوم، ويبدو أنها ستزيد من الأزمة التي تعيشها أنقرة أصلا في محيطها الإقليمي والدولي، وهو ما ينذر بنسف مخطط قادتها الإسلاميين في الظفر بكرسي داخل النادي الأوروبي.

كشفت مصادر تركية مطلعة عن وجود أزمة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو بشأن تقديم الوزراء المتهمين في قضية الفساد والرشاوى الشهيرة إلى محكمة الديوان العليا لمحاكمتهم.

وذكرت المصادر التركية، بحسب ما ذكره الموقع الإلكتروني لصحيفة “جمهوريت” التركية، أمس الجمعة، أن الخلاف بين أردوغان وداوود تسبب في تأجيل موعد التصويت بلجنة التحقيق البرلمانية نهاية، الأسبوع الماضي، على إحالة الوزراء الأربعة السابقين المتورطين في القضية إلى المحكمة.

وأشارت المصادر نفسها، التي وصفت بأنها جديرة بالثقة، إلى تمسك ساكن القصر الأبيض بعدم إحالتهم أمام القضاء، فيما يطالب رئيس الوزراء بتقديمهم للعدالة، فضلا عن رفضه ترشيح أسماء هؤلاء الوزراء المنتمين لحزب العدالة والتنمية الحاكم للانتخابات البرلمانية المقررة في يونيو، العام القادم، سواء تمت إحالتهم إلى المحكمة العليا أم لا.

وهذه المرة الأولى التي يظهر فيها تباين للمواقف بين الطرفين بشكل حاد منذ تقاسم كعكة السلطة، أواخر أغسطس الماضي، أي بعد تنصيب داوود أوغلو زعيما للحزب الحاكم بعد فوز أردوغان في الانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى.

ويرى خبراء ومحللون أن تمسك أردوغان بعدم إحالة هؤلاء الوزراء في حكومته السابقة على المحاكمة سيعني ذلك تورط الحكومة بكاملها في القضية وبالتالي سوف يصعب إقناع الرأي العام التركي بنزاهة الحكومة التي كان يترأسها، وهو ما يؤكد أيضا بأن فسادا حصل أثناء تزعمه للحزب الإسلامي طيلة اثني عشر عاما.

كما يعني ذلك، وفق الخبراء، نسف كل مزاعم الرئيس التركي المهووس بالحكم وحكومته السابقة بأن القضية كانت مؤامرة مدبرة من حركة الخدمة بزعامة الداعية الإسلامي فتح الله كولن التي يصفها بـ”الكيان الموازي” والذي يتهمه بمحاولة الإطاحة به من هرم السلطة.

وللإشارة فإن إحدى المحاكم في العاصمة أنقرة أصدرت قبل أيام مذكرة اعتقال بحق كولن المقيم في المنفى في الولايات المتحدة، في وقت أبدى فيه الاتحاد الأوروبي، قلقه ولاسيما لحملة الاعتقالات التي نفذتها السلطات التركية، مطلع الشهر الحالي، وطالت الإعلام المؤيد لزعيم الحركة التي باتت في شق المعارضة.

مصادر تركية تشير إلى أن حزب العدالة والتنمية الحاكم سيفقد مصداقيته أكثر مع اقتراب الانتخابات البرلمانية

والوزراء المتهمون في أشهر قضية تتعلق بالرشاوى والاختلاسات المالية في تركيا، هم معمر غولر وزير الداخلية السابق وظافر تشاغليان وزير الاقتصاد السابق وأغمن باغش وزير شؤون الاتحاد الأوروبي السابق وأخيرا أردوغان بيرقدار وزير البيئة والتخطيط العمراني السابق.

ويتوقع سياسيون أتراك أن يزيد التوتر خلال الفترة القادمة بين أردوغان وداوود أوغلو بسبب ما قد تنتج عنه التطورات في هذا الملف الذي يعتبره الرئيس التركي حساسا ويمس من موقعه الحالي والساعي إلى المحافظة عليه بشتى الطرق والوسائل لبسط نفوذه على كل دواليب الدولة.

وقد ذكرت تقارير، في وقت سابق، نقلا عن مصادر من حزب العدالة والتنمية الحاكم قولها، إن داوود أوغلو أثناء توليه منصب وزير الخارجية بحكومة أردوغان وقف بعيدا عن الوزراء الأربعة المتهمين في قضية الفساد والرشاوى وكانت علاقته مع تشاغليان وغولر ضعيفة جدا، حتى أنه تجنب أن يظهر معهم في نفس الصورة.

كما أكدت مصادر، رفضت الكشف عن هويتها، أن الوزراء الثلاثة غولر وتشاغليان وبيرقدار سيفقدون حصانتهم البرلمانية في حال عدم ترشيحهم للانتخابات العامة (التشريعية) القادمة. وتقول دوائر صنع القرار داخل الحزب الحاكم، أن وزير الاقتصاد السابق في كل الأحوال لن يتم ترشيحه مستقبلا لأي منصب وذلك وفقا للائحة الداخلية لحزب العدالة والتنمية التي تمنع المرشح من ترشيح اسمه لثلاث دورات برلمانية.

ويعتقد كثير من النقاد والمحللين، أن إحالة الوزراء الأربعة المتهمين في قضية الفساد والرشاوى ستفتح الطريق لمثولهم أمام المحكمة العليا تزامنا مع حملة الدعاية للانتخابات البرلمانية في يونيو المقبل، وهو الأمر الذي سيؤثر سلبا وبلا شك على شعبية حزب العدالة والتنمية وهذا ما يخشاه أردوغان، على عكس رؤية داوود أوغلو الذي يؤكد دائما على ضرورة معاقبة المتورطين في الفساد والرشوة مهما كلف الأمر.

والانتقادات في تركيا وخارجها، اتهمت أردوغان بتوطيد موقعه ضد معارضيه المحليين والدوليين، حيث وصفته صحيفة “نيويورك تايمز” مؤخرا بأنه “زعيم متسلط يعيش في عالم مواز”، ما يجعل كل أصابع الاتهام توجه إليه في كونه على دراية بكل أنواع الفساد التي حدثت أثناء رئاسته للوزراء لأكثر من عقد.

كما تلقت طموحات تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ضربة قاسية مع حملة التوقيفات الأخيرة التي نفذتها الشرطة، ما أدى إلى تبادل تصريحات شديدة اللهجة بين أنقرة وبروكسل.

سياسيون يتوقعون أن تتعمق الهوة بين أردوغان ورئيس الوزراء إذا تم رفع الحصانة عن الوزراء المتورطين في الفساد

وتعيش تركيا منذ أشهر حالة من الانفصام السياسي جراء العزلة الخانقة التي تبحث لها عن منفذ بسبب مواقف عراب إخوان العالم من الجماعات الإسلامية المتطرفة وعلى رأسها داعش ومفاوضات السلام المتعثرة مع الأكراد وغيرها من الملفات الإقليمية والدولية الحارقة.

وكانت السلطات التركية قد أوقفت نجل أردوغان، بلال، إبان تكشف الفضيحة التي هزت تركيا، منتصف ديسمبر العام الفارط، قبل أن يتدخل بالإفراج عنه، الأمر الذي أغضب الرأي العام التركي عبر احتجاجات عارمة ضده.

وقد كشفت تقارير بعد ذلك بأشهر قليلة أن لبلال علاقة وطيدة مع رجل الأعمال الإيراني، رضا ضراب، الذي يحمل الجنسية التركية وهو من أبرز المتهمين بالفساد.

وبفضل السياسة “الخبيثة” التي يتمتع بها أردوغان للتستر على الفضيحة بقدر المستطاع، أمر بسحب ملف القضية من المدعي العام زكريا أوز، الذي أعدها، وتم تسلميها إلى المحقق طوران شولاكادي، المقرب من الحزب الحاكم والذي عين فورا محققين إضافيين لمشاركته في المهمة بسبب حساسية القضية وكثرة المتهمين.

يذكر أن الرئيس التركي تعرض لانتقادات واسعة من المعارضة بعد قرار انتقاله إلى قصر الأبيض الرئاسي بدلا من القصر الجمهوري والذي بات رمزا للتسلط في تركيا.

5