فضيلة إضاعة الوقت: ما نعرف عن الكون وما لا نعرف

الأحد 2016/10/02
روتيلي يقدم وجها آخر للعلم

الفنان المصري عادل السيوي هو فنان تشغله اللوحة كمساحة شاسعة للبوح والتعبير، منذ أن ترك مهنة الطب في سبعينات القرن الماضي وسعى مقتفياً أثرها وتأثيرها. لكنه إلى جانب التشكيل لديه اهتمام آخر بالترجمة وقد أهدى السيوي المكتبة العربية عدداً من الكتب الهامة المترجمة عن الإيطالية، فترجم كتاب “نظرية التصوير” لليوناردو دافنشي، وكتاب “نظرية التشكيل” لبول كلي، كما ترجم الأعمال الكاملة للشاعر الإيطالي أونغاريني.

وقد طالعنا أخيراً بكتابه المترجم الصادر عن دار “بعد البحر” للنشر في القاهرة تحت عنوان “أجمل نظرية-سبعة دروس موجزة في الطبيعة” لعالم الفيزياء الإيطالي كارلو روفيللي، وهو الكتاب الذي حقق مبيعات هائلة فور صدوره وتعددت طبعاته رغم محتواه العلمي وصغر حجمه، وترجم إلى عدد وافر من لغات الدنيا.

ويفسر السيوي في تقديمه سبب اختياره لهذا الكتاب رغم ابتعاده عن دائرة اهتماماته “اخترت قراءة هذا الكتاب متصوراً أنه سيساعدني في الإجابة على سؤال تولّد من عملي الممتد على كتاب عن الفن المعاصر، وهو سؤال عن الفرق بين العلم الحديث والعلم المعاصر، وكان كتاب روفيللي يقدم إجابة مغايرة تماماً لتوقعاتي. ولكن ما حدث أنني أدركت مع تقدمي في القراءة، أنني أمام نص استثنائي، يتجاوز ما أبحث عنه، ومن هنا بدأ هاجس الترجمة رغم حذري من التورط في تلك المهمة الشائكة مجدداً، إلا أنني لم أتوقف”.

روفيللي يبدأ في السطور الأولى للكتاب بشرح فضيلة إضاعة الوقت مستدلاً بحياة أينشتاين الذي ترك مدرسته الثانوية وتسكع في إيطاليا لمدة عام كامل

يقدم الكتاب المقسم إلى سبعة فصول أفكار العلماء وإجاباتهم حول الأسئلة الكبرى التي تشغلنا: من أين جاء الكون وما مصيره؟ وما هو أصغر جسم في بنية المادة. وما معنى أن الفراغ وهم لا يمكن التحقق منه؟ أين توجد مادة العالم إذن؟ وهل الزمان هو اختراعنا الإنساني. من نحن وسط هذا الكون؟ وإذا كنا جزءاً من مادة الكون، فأين خصوصيتنا كبشر؟ كيف يفكر العلماء المعاصرون الآن في نشأة الزمان والمكان وفي الحياة؟ وما هي التحديات الكبرى التي يعملون على حلّ ألغازها؟ وما هي الثقوب السوداء؟ وما الحرارة وما هي المادة المظلمة؟ إلى أين تذهب تجربتنا كبشر فوق هذه الأرض؟ هذه هي الأسئلة التي تتناولها دروس روفيللي الموجزة، والتي تنفذ إلى عمق الموضوع متجاوزة تفاصيله المعقدة. إنها دعوة ساحرة للتفكير ومواصلة الفضول. يأخذنا الكتاب مباشرة إلى قلب الأسئلة التي تخص وجودنا، بدرجة نادرة من الوضوح والإيجاز ومن الشجاعة أيضاً.

يبدأ روفيللي في السطور الأولى للكتاب بشرح فضيلة إضاعة الوقت مستدلاً بحياة أينشتاين الذي ترك مدرسته الثانوية وتسكع في إيطاليا لمدة عام كامل، لا يفعل شيئاً سوى إضاعة الوقت، إذ يرى الكاتب أن من لا يضيعون الوقت لا يذهبون بعيداً، ولا يجدون شيئاً ذا قيمة. يدعونا روفيللي كذلك عبر سطور الكتاب للتخلي عن تصوّرنا الضيق للكون المبني على إدراكنا الحسي، ولكنه يدرك بلا جدال صعوبة التخلي عن فكرة الزمن لأنه طبعنا البشري، الذي يراقب مرور الوقت وتقدّم العمر، ويسمع دقات القلب، ويخشى الموت، إنه الزمن الذي لا يهزمه أحد لأنه قدرنا، أو لأنه كما يقول “غير موجود في الكون أصلاً” وأنه -أي الزمان- “هو إحداثي بشري يخصنا، وليست هناك ساعة كونية تدق للجميع بنفس الإيقاع، وإذا وجد الزمان فسوف يختلف وفقاً للمكان”.

الدروس السبعة لهذا الكتاب لا تزج بنا في التفاصيل ولا تقدم لنا مادة علمية مكتملة، وإنما دعوة للنظر إلى العالم من أعين العلماء، لنوسع إدراكنا لطبيعته وطبيعتنا بصفتنا جزءاً منه. يقدم الكتاب أسئلة تمسّ الأبعاد الأساسية في وجودنا، أسئلة عن طبيعة المكان والزمان والمادة، ثم يأتي سؤال بالغ الأهمية في نهاية الكتاب: وماذا عنا؟ من نحن وسط هذا العالم، نحن بأجسادنا التي صنعت من نفس مادة الكون؟ إنها أبعاد مربكة قد تثير فينا مخاوف كبرى، ولكن العلم لا يسعى للتوافق مع معرفتنا الحسية بالعالم كما يقول المؤلف.

التخلي عن التصوّر الضيق للكون

روفيللي يرى أن علوم الطبيعة قد حققت الكثير من الإنجازات، ولكنها لم تقفز بنا قفزة كبيرة كتلك التي تحققت في مطلع القرن السابق بعقوله الجبارة، ولم نعثر إلى الآن على إجابات مقنعة، حتى إن أسمينا ما ننتجه “نظرية كل شيء”، وهكذا تظل التعارضات في انتظار عقل كبير، عقل قادر على حل شيفرة حجر رشيد الجديد، الشيفرة التي كتبها علماء الحداثة في بداية القرن الماضي بثلاثة لغات: النسبية، والكوانتم، وديناميكا الحرارة.

في هذا الكتاب الصغير يقدم روفيللي وجهاً آخر للعلم، وجهاً مفكراً وجمالياً، كما يطلق دعوة للتكامل بين أشكال مختلفة للفضول الإنساني، ويسعى للمصالحة بين أشكال التفكير واللغات على اختلافها، بل بين نظم مختلفة للتساؤل: الفلسفة والفيزياء وعلم النفس، والبيولوجي والشعر، وهو يرى كذلك أن علاقتنا بالعالم محكومة بدهشة أولية وفضول أساسي، وبرغبة في إبداع جمال ما، جمال يليق بعظمة كل تلك المجاهيل التي وقف حيالها في نهاية نصه المهم “فبطبيعتنا نحب ونكون مخلصين، وبطبيعتنا نريد أن نعرف أكثر، نواصل معرفتنا بالعالم ونطورها، هناك جبهات مفتوحة نواصل التعلّم منها، وتتأجج في داخلنا نار الرغبة في المعرفة، هناك في الأعماق الأبعد حيث النسيج الرهيف للمكان، هناك بعيداً حيث أصل الكون وميلاده، هناك حيث طبيعة الزمان وحيث مصير الثقوب السوداء، وحيث ندرك كيف يقوم عقلنا بوظيفته، هذه هي الجبهات المفتوحة أمامنا الآن. وهنا على حافة ما نعرف، هنا على ضفة ذلك المحيط الذي لا نعرفه، يتألق الغموض وتومض الألغاز، ويشرق جمال العالم الذي يبهرنا ويخطف أنفاسنا”.

كارلو روفيللي من مواليد عام 1956 بمدينة فيرونا الإيطالية، وهو باحث في مجال الفيزياء النظرية وأستاذ في جامعة المتوسط بمرسيليا. عمل روفيللي في العديد من مراكز البحث العلمي في إيطاليا والولايات المتحدة قبل انتقاله إلى فرنسا. شارك مع مجموعة من العلماء في تأسيس نظرية الحلقات في فيزياء الكوانتم. وقدم عدداً من المؤلفات حول فلسفة العلم وتاريخه، من بينها “ما هو الزمان وما هو المكان؟”، “ما هو العلم؟” و”الواقع ليس كما يبدو لنا”.

كاتبة من مصر

13