فضيلة الفاروق: نكتب لأننا لا نجد من يسمعنا

الجمعة 2015/01/23
فضيلة الفاروق: الأدب النسائي هو من يعبر أكثر عن معاناة النساء

بيروت - هي حياة مليئة، تلك التي تعيشها الكاتبة الجزائرية “فضيلة الفاروق”، التي انتقلت من الجزائر إلى بيروت عام 1995، لتبدأ فيها حياتها الأدبيّة والصحفيّة، ونضالها من أجل المرأة وحقوقها، الفاروق ذات الأصول الأمازيغيّة من الأصوات النسويّة المميّزة في المنطقة العربية، وقد شكلت رواياتها الكثير من الجدل لاقترابها من المحرمات والمسكوت عنه وانتقاداتها اللاذعة لسلطات القمع الفكري والثقافي، وتعتبر روايتها “تاء الخجل” الصادرة عام 2003 عن دار رياض الريس من أجرإ ما كُتب عن موضوع الاغتصاب في المنطقة العربيّة، وقد صدر لها كذلك “اكتشاف الشهوة” 2005 و”أقاليم الخوف” 2010.

تكتب فضيلة الفاروق بصوت الأنثى وكأن اختيارها هذا فيه عنف، ولو أنه مجازي تجاه الرجل وسلطته، إلا أن الفاروق ترفض هذا المعيار وترى أن صوت الأنثى الذي تكتب به لا يحوي عنفا تجاه الرجل حيث تقول: «هل يريدون أن أكتب بصوت رجل أو أستسلم لمقولة صوت المرأة عورة، لا أفهم أين العنف تجاه الرّجل مقارنة بعنفه تجاه الأنثى لفظيا وجسديا ومعنويا، ونحن مازلنا نداريه ونداري غضبه؟ أين المرأة من عنف الرجل إذا كان صوتها فقط يثير سخطه؟ أأكتب بحبر غير مرئي؟ أأرسم لوحات بيضاء؟ ما المناسب لرجالنا بمشاعرهم الهشة والحساسة».


الحرب الجنسية


ترى الفاروق أننا بلغنا مرحلة أضحت فيها النساء يبعن في أسواق النخاسة، وملايين النساء يعشن في مجتمعنا بلا أصوات، بلا أجساد، بلا تفكير، بلا وجود، مجرّد خيالات، وأشياء لإمتاع الرجل ليلا، وزرع بذوره لينجب من يرثه، وتضيف: «أنا أكتب لأنني مقتنعة بأن الكتابة منحتني كيانا ووجودا، ولأني لا أريد أن أعيش نكرة وأنتهي نكرة».

هناك مقاربة للتابوهات سواء الجنسية أو السياسية فيما تكتبه الفاروق، وخصوصا في روايتها “تاء الخجل”، حيث تناولتِ موضوع الاغتصاب في المنطقة العربيّة، وتشير الفاروق إلى أنها واجهت صعوبة في نشر الرواية، لأنها تناقش قضية حساسة يرفض المجتمع العربي أن يعالجها، وتواصل مبيّنة: «إننا نعيش في مجتمع يبارك الاغتصاب، ولا يرضى أن يحاربه، وإلا كيف يصف البعض ما أكتبه بأنه بورنوغرافي؟ أنا حائرة في الحقيقة، كيف يقبل مجتمعنا أن تنشر جرائدنا يوميا أخبارا مخجلة عن الاغتصابات التي تحدث عندنا، وعن أنواع من الجرائم المرعبة والمتفشية بشكل كبير، لكنه يثور ضدّ رواية لأن كاتبها منتفض ضدّ الجريمة والاعتداء على الآخر؛ بودّي أن أعرف لماذا يسقط القضاء عندنا عقابه ضدّ المغتصب في حالة زواجه بضحيته؟ وكيف تسمــح المــرأة والعـــائلات المحترمـة بهذا؟».

الأدب تنحته المرأة والرجل جنبا إلى جنب لذلك فإن أهدافه واحدة، وهو ليس مادة لتسميم الآخر أو لمحاربته

وتلفت الفاروق إلى أن هذا ما طرحته في روايتها كما أشارت إلى ما هو أبشع، وهو كيف تحوّل الاغتصاب إلى استراتيجية حرب يقوم بها الرجال بناء على فتوى دينية، وتؤكد: «لو أن روايتي مُنحت حقها ولم يحرفها الشواذ بقراءاتهم لما وصلنا اليوم إلى ما وصل إليه واقع النساء تحت راية داعش».

الكثيرون يرفضون تجنيس الأدب حسب كاتبه (ذكر/ أنثى)، عن موقف الفاروق من عملية التجنيس هذه، توضح: «أنا شخصيا لا يهمني التقسيم، مع أني أرى أن الأدب النسائي يعبر أكثر عن معاناة النساء، فالجمرة لا تحرق إلا من لمسها، ولا يمكن أن تفهم الأمومة إلا إذا عشتها، ولن تعرف وجع أحد إلا إذا خبرته، ونحن بأجسادنا وتكويننا البيولوجي نختلف، وبما أن الأدب بصمة لصاحبه فهو بالتأكيد يختلف من كاتب لآخر، عدا عن أن الرجال يكتبون عن موضوعات تهمهم، والنساء يكتبن عن مواجعهن وقضاياهن».

أما عن فكرة الوقوف في وجه سلطة الرجل فتبدو لها غريبة، لأنه من المفترض أن يُغذّى الأدب من قبل المرأة والرجل جنبا إلى جنب، والاتفاق على أن أهداف الأدب واحدة، وليست مادة لتسميم الآخر أو لمحاربته، تجيب: «هل الخطاب الأنثوي قادر على الوقوف في وجه سلطة الذكورة التي تمارس على النص باستخدام المؤسسات المختلفة؟».


طريق التحرر


يتمثل سرد فضيلة الفاروق بنماذج لنساء غادرن المنطقة العربية كما في “اكتشاف الشهوة”، لكن ما زالت هواجس الخوف وسلطة التقاليد حاضرة ولو في لاوعيهن، وكأن هذه الهواجس تتجاوز الحدود الجغرافية، إلا أن الكاتبة الجزائرية ترى أن هناك حلولا كثيرة للقمع الفكري، ولكننا كشعوب مكبّلون بأنظمتنا، وأنظمتنا مكبّلة بالتقاليد التي يفرضها المجتمع، فنحن تركيبة غريبة بين مجتمعات الأرض، وتقدم حلا ولو مبدئيا.

الأدب طريق إلى الانعتاق والحياة

وتقول الكاتبة: «يمكن أن نتخطى مشاكلنا كلها في زمن قياسي لو غيرنا البرامج المدرسية وجعلناها أكثر إنسانية، وشجعنا خلالها القراءة والمسرح والهوايات، ولو قمنا بحملات توعية لمنع العنف المنزلي، ودعمنا ذلك بإصلاحات في القوانين التي تتعاطى مع الفرد عندنا».

تبدو الكتابة أحيانا كأنها مهرب أو وسيلة للتنفس أمام سطوة القمع التي يشهدها الكاتب والتي تنعكس على شخوص رواياته، وترى الفاروق أننا نكتب لأننا لا نجد من يسمعنا، فالكتابة حياة أخرى نعيشها، وليست فقط متنفسا، فهي علاج للنفس، وسيلة نضال، سفر، تحرر، وانعتاق، تضيف عن رأيها في الكتابة: «لا يمكن حصر فوائد الكتابة في نظرية واحدة، صحيح أننا حين نقرأ نحكم على النتاج الأدبي وكأنّه انعكاس لسلوك الكاتب، ولكنه في الحقيقة يمثل مجموع معارفه وخلاصة تجاربه أيضا، وصورة عن مجتمعه وملخصا لرؤاه عن قضايا متعددة».

هناك حركات تصف نفسها بـ”ما بعد نسوية”، أي أنها تتجاوز الأفكار التقليدية فاللوم يقع على الذكر والأنثى فيما يخص حقوق المرأة، وترى الفاروق أن غادة السمان مثلا، رغم نضالها الطويل في صف النساء، إلا أنها تنادي دوما بتحرير فكر الرجل والمرأة معا، حتى يتحقق للنساء ما يردن لبناء مجتمع إنساني، وتعقب: «أنا رغم نسويتي التي لا أستطيع التخلص منها على الأقل حاليا، أرى أن لديها الحق. وطبعا لأني أكره دوما أن نضع الأشياء في قوالب معينة، فأنا أرى أن الأمور تخضع دوما للتطور، وكما الأديان التي تنجب أديانا جديدة، فكل فكر ينجب أفكارا جديدة، ما نتمناه فقط هو أن لا نعمل على خلق جبهات حرب بين الرجال والنساء، نريد أن نعيش بسلام ومودة ورحمة، لقد حوّلت الحروب بكل أشكالها حياتنا إلى جحيم طويل الأمد، أما آن لنا أن نرتاح؟».

ترى فضيلة الفاروق أن من يقود المعارك ضدّ المرأة وتحررها لا يتمثل فقط في التيارات الظلامية، فمن يحارب ليس دولة الخلافة فحسب بل النخبة العظيمة التي تتهم النساء بالعهر، وتكتب عن أدبهن أنه إباحي، وتعلق المشانق في كل زاوية من زوايا المشهد الثقافي والأدبي. وترى الفاروق أن القارئ عندنا «يقرأ بخلفية محدودة محصورة في موروثه المثقل بتعاليم الجنس والجسد».

15