فطوبى للغرباء.. طوبى للغرباء..

الأحد 2014/03/30

تقول الإحصائيات إن الإسلام هو الدين الأكثر نموا في العالم والأكثر انتشارا، فمن ناحية يزداد عدد معتنقيه بوتيرة متزايدة في العديد من بقاع العالم، ومن ناحية أخرى فإن معدل التكاثر والخصوبة بين المسلمين هو من بين الأكثر في العالم، وبذلك فإنه وخلال سنوات قليلة سوف يتجاوز عدد المسلمين في العالم البليونين، وسوف يكون الإسلام هو الدين الأول في العالم من حيث عدد المنتمين إليه، حالا محل المسيحية التي تتسيّد أديان عالم اليوم في عدد أتباعها. قد يبدو مثل هذا الخبر مفرحا في ظاهره، من حيث أن ربع سكان العالم سيكونون من المسلمين الذين نشترك وإياهم في الانتماء إلى دين واحد، والإيمان برب واحد، ونبي هو آخر الأنبياء والمرسلين، وذاك مما يُعزز الوجود الإسلامي في هذا العالم، وأثر ذلك على دعم قضايانا العادلة، ولا أقول قضايانا المصطنعة أو الزائفة أو المفتعلة نتيجة وهم أو إسقاط أو إحباط أو قلة حيلة، وكل تلك الحيل النفسية الجماعية التي تشغل علماء النفس والاجتماع، حين يشكلون جماعات ضغط، أو قوة انتخابية ضاغطة في بلادهم، وأثر ذلك على السياسة الخارجية لتلك البلدان. ولكن، وكما يقول المصريون في أمثالهم: “يا فرحة ما تمّت”، أو “جت الحزينة تفرح ما لقتش مطرح”، إذ أن المشكلة تكمن في أن معظم هؤلاء المسلمين والنسبة الأكبر منهم، ليسوا في النهاية إلا “غُثاء كغُثاء السيل”، أو كزبد البحر كثرة ولكن دون فاعلية في صنع واقع مختلف أو الإسهام في حضارة العصر، إن لم يكن الكثير منهم نقمة وعبئا على هذه الحضارة وللأسف، فلم يبرز من المسلمين المعاصرين، سواء كنا نتحدث عن المستوى الفردي أو الجماعي، أحد في مجال حضاري بارز يمكن أن يُشكل إضافة ملحوظة إلى التراكم الحضاري المعاصر، الثقافي منه أو العلمي، يُمكن أن يُشار إليه بالبنان، اللهم إلا بضعة أفراد حققوا إنجازاتهم في ظل ثقافات غير “إسلامية”، وفي ديار هي غير ديار المسلمين، بل هي “ديار كفر” لدى كثير من المسلمين، ولا بد من معاداتها ومحاولة “هديها”، تطبيقا لمبدأ ولاء وبراء فسّروه، أو بالأصح فُسّر لهم من قبل “نُخب ربانية” تحتكر في زعمها معرفة الحقيقة، على أنه معاداة كل شيء وأي شيء طالما أنه لا يتماهى تمام التماهي مع ما يقولون ويفعلون، وتمنّي زوال تلك البلاد وأنظمتها، إن لم يكن بالمستطاع إزالتها، من باب إنكار المنكر باللسان والقلب طالما أنه متعذر باليد، مع عدم التوقف عن محاولة استخدام اليد. بل إن كثيرا من المسلمين يعيش في تلك الديار، متمتعا بجنسيتها، ممارسا بحرية مطلقة كل شعائره الدينية وغير الدينية في ظلها، ومتمتعا بكل الحقوق التي تُمنح للمواطن وغير المواطن فيها، ورغم ذلك تبقى تلك الديار “ كافرة “ من الواجب تدميرها من أجل أن “يحكم الإسلام”، وهو إسلام لا أظن أن له علاقة بالإسلام الذي بشر به المصطفى الأمين، صلى الله عليه وسلم.


عالة على حضارة العصر


ولو قارنا ما أنجزه مسلمو هذا العصر، الذين يقتربون من تشكيل ربع سكان العالم، باليهود، الأعداء التقليديين لكل ما هو مسلم وإسلامي كما يوصفون على الدوام، والذين يقفون وراء كل شر يُراد بالمسلمين منذ أيام الهجرة إلى يثرب وحتى زمن الخروج من القدس، وفق تصور تبريري أكثر منه تقريريا، والذين لا يتجاوزون الواحد بالمئة من سكان هذا العالم، لوجدنا أن ما قدمه اليهود من علماء وأدباء وفلاسفة ومثقفين في هذا العصر هو أضعاف ما قدمه عالم الإسلام برمته، والمسلمون على كثرة عددهم، فلا يُذكر باب من أبواب العلم أو الثقافة أو الفلسفة أو الاختراع، إلا وتجد اسما يهوديا بارزا في هذا المجال أو ذاك، فيما يُقمع الإبداع، وتُحارب الثقافة، ويشوّه العلم باسم الدين وأشياء أخرى لا علاقة لحقيقة الدين بها. بل حتى أولئك الجهابذة من العلماء والفلاسفة والمفكرين الذين ظهروا كالنجوم الساطعة في تاريخ حضارتنا الدارسة، مثل الفارابي والكندي وابن سينا وابن خلدون وابن رشد وابن الهيثم وابن البيطار وغيرهم، والذين نفخر بإنجازاتهم المبكرة حين يأتي الحديث عن إسهام المسلمين في الفعل الحضاري، وتأثيرهم على حضارة الأمس واليوم، نجد أن الكثير من مسلمي اليوم، اقتداء بشيوخ هذا الزمان وأئمته ودعاته، يكفّرونهم أو يقدحون في صحة عقيدتهم في أحسن الأحوال، بعد أن أصبح هؤلاء هم القيمون على صحة العقيدة، ومالكوا صكوك الغفران الجديدة في هذا الزمان.

بل لو قارنا “دويلة” إسرائيل، أو “دويلة العصابات الصهيونية”، كما كان يحلو للقوميين العرب مناداتها، على صغر مساحتها وقلة سكّانها بأية دولة عربية أو مسلمة، لوجدنا أن هذه “الدويلة” تتفوق عليها جميعا في كافة المؤشرات الحضارية والتنموية والثقافية، فيما جل دول العرب والمسلمين تعيش عالة على حضارة العصر، إما بريع ساقه الله إليها، أو مستجدية فتاتا يتركه العاملون في هذا العالم، دفعا لضرر، أو إحساسا من بقايا ضمير. أقول قولي هذا وأنا في غاية الحزن والألم والحسرة، ولكن ماذا يمكن للحزن أو الألم أو الحسرة أن تفعل أمام حقائق العالم الباردة، وصخور الحياة القاسية التي إن لم تعترف بوجودها وهما أو مكابرة، أدمتــــك في النهاية أو قتلتك وأنت تناطحها عاري الجبهة، صفر اليدين.

نعم، المسلمون كثرة اليوم، وسيكونون أكثر غدا، ولكن هل تعني كثرة المسلمين هذه سيادة فعلية للإسلام؟ لا أظن ذلك، وما أظن أن الشاعر العباسي “دعبل الخزاعي” (148-246هـ، 765 - 860 م)، إلا واصفا لنا وهو يقول:

ما أكثر الناس لا بل ما أقلّهم

والله يعلم أني لم أقل فندا

إني لأفتح عيني حين أفتحها

على كثير ولكن لا أرى أحدا

ونحن اليوم نفتح العين على كثير من المسلمين، ولكن لا نرى في النهاية أحدا، فالبون شاسع بين مسلمي اليوم وجوهر الإسلام، بل وجوهر أي دين، رغم كثرة المسلمين والقائلين بالإسلام.


الإسلام غريبا


يروي مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء” (الحديث رقم 145). عندما كنت أقرأ هذا الحديث الشريف كنت أظن أن غربة الإسلام تكمن في تناقص عدد أتباعه حيث أنه يأتي زمان يكون فيه المسلمون قلة في هذا العالم، ويعودون كما كانوا في مكة في الأيام الأولى للدعوة، قلة لا تُذكر، بعد أن ملأوا الدنيا وشغلوا الناس في يوم من الأيام، وهو تفسير قال به كثير من المحدثين ومفسرو الحديث، وهو المعنى الظاهر للحديث، ولكني أدركت في النهاية أن المقصود بالغربة هنا هو أمر كيفي لا كمي، مسألة تتعلق “بكيف هم” وليس “بكم هم”، فالإسلام اليوم يُعاني فعلا من غربة شنيعة رغم كثرة أعداد معتنقيه وتزايدهم بوتيرة مطّردة، حتى أصبح من تغلغل جوهره في أفئدتهم فعلا غرباء في عالم يعُج بالمسلمين، وذلك كما كان المسلمون الأوائل في مكة، ولكن مع الفارق في معيار الحكم على الأمور في المكانين والزمانين، والانتقال من معيار الكم إلى معيار الكيف، حيث أنه فعلا قد أتى على الناس زمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، وذلك كما جاء في الحديث النبوي الشريف: “ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر ” (رواه الترمذي).

قد يستغرب الكثيرون مثل هذا القول، وهم يرون تزايد أعداد المسلمين في كثير من بلاد العالم، حتى أن دولا في أوروبا، مثل بريطانيا وفرنسا وأسبانيا، بدأت تخشى من تزايد أعداد مواطنيها وقاطنيها من المسلمين حيث أنه قد يأتي يوم تصبح فيه هذه البلاد ذات أكثرية مسلمة، أو ذات كثافة سكانية مسلمة قادرة على تغيير المكتسبات الثقافية التاريخية لتلك الدول، وخاصة تلك القيم التي تقدس الحرية وترفع من شأن التسامح، وهي ذات القيم التي سمحت للمسلمين بأن يمارسوا إسلامهم بمطلق الحرية في أحضان تلك الثقافة، ويرون كل تلك المنظمات والتيارات التي ترفع لواء الإسلام وتحارب باسمه كل الدنيا، وكل هذا الفوبيا التي تجتاح الغرب والشرق خوفا من الإسلام (الإسلاموفوبيا)، وهي حقيقة فوبيا من مسلمي هذا الزمان وليس خوفا من ذات دين الإسلام، ففرق بين ما استقر في أذهان الكثير من المسلمين على أنه من أصول الإسلام، وبين حقيقة الدين وجوهر الإسلام. كيف يكون الإسلام غريبا اليوم وهو كما نرى ملء السمع والبصر، وكيف يكون القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، وكيف يكون هنالك غرباء لهم الطوبى، وعدد المسلمين ملأ البر حتى ضاق بهم، ويكادون يزحفون على البحر، والكثير منهم قد فعلوا، هجرة وقرصنة وعنفا.


رسالة الدين


القصة ببساطة هي أن الدين رسالة إلى الضمير الفردي في المقام الأول، ومن بعد ذلك تأتي بقية الأشياء، ولكن الذي حدث هو أن “بقية الأشياء” أُضيفت للإسلام، ولكن نُزع منه الضمير، فهل يبقى من الماء شيء بعد أن يُنزع منه الماء؟ الدين بصفة عامة هو رسالة إلى الضمير لبّها الإنسان، وقيمتها تكمن في الارتقاء بقيمة الإنسان، سواء من آمن بذلك الدين أو لم يؤمن، فالإنسان في النهاية هو الأصل، وهو مناط الرسالات وهدف الأديان، فهل مسلم اليوم، إلا الغريب منهم، إنساني الهوى حي الضمير؟ يقول الحق جلت قدرته، في وصف بني إسرائيل بعدما جاءهم الحق من ربهم: “ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون” (البقرة، 74)، ولا أجد وصفا لمسلمي اليوم، إلا من رحم ربي من غرباء هذا الزمان، أدق من قول الحق هذا، وما أشبه مسلمي اليوم بيهود ذاك الزمان وأصحاب السبت، الذين تركوا اللب والجوهر، وتعلقوا بالقشور، وتركوا حكمة الأمر وانشغلوا بصفة البقرة المراد ذبحها، وما أكثر أبقار مسلمي هذا الزمان. والدين، أخيرا وليس آخرا، رسالة أخلاقية في صميمه، “إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق”، “وإنك لعلى خُلق عظيم”، “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، “إنما بُعثت رحمة مهداة، ولم أُبعث لعانا”.

ورسالة الدين، والإسلام آخر أديان السماء، هي رسالة تهذيب للسلوك البشري ليرقى إلى مستويات أبعد ما تكون عن البهيمية وسلوك الوحوش الكاسرة في زوايا الغاب الموحشة، ولبود الأفاعي السامة في غياهب الجب وجحور البيوت الخربة، فهل مُسلمو اليوم، إلا من رحم ربي من الغرباء والقابضين على الجمر، يرتقون بسلوكهم إلى مستوى من كان “خُلُقُهُ القرآن”، أو حتى قريبا منه؟ ورحم الله أبا حيان التوحيدي (توفي عام 400هـ، 1010م)، وهو القائل في ذاك الزمان، واصفا عالم المسلمين وصفا أرى أنه لم يتغير منذ ذلك الحين: “ إلى متى نقول بأفواهنا ما ليس في قلوبنا؟ إلى متى ندعي الصدق، والكذب شعارنا ودثارنا؟.. إلى متى نستظل بشجرة تقلص عنا ظلها؟ إلى متى نبتلع السموم ونحن نظن أن الشفاء فيها؟”.

وللمعلومية، فقد اتهم التوحيدي في زمانه بالزندقة، وهي تهمة لا زالت لصيقة به من قبل “أحبار” الدين حتى اللحظة، ويبدو أن مثل هذه التهم وما شابهها اليوم من أوصاف، جاهزة لإلصاقها بكل من أراد قول الحقيقة دون رتوش، أو عبر عن الضمير دون قناع. وللمعلومية أيضا، فإن أبا حيان أحرق كتبه في آخر حياته احتجاجا، ولم ينج منها إلا بضعة منها وصلت إلينا، والحمد لمن له الحمد على ذلك.

يقول أبو حيان هذا: “يا هذا.. الغريب من إذا ذكر الحق هُجر، وإذا دعا إلى الحق زُجر.. يا رحمتا للغريب، طال سفره من غير قدوم، وطال بلاؤه من غير ذنب، واشتد ضرره من غير تقصير، وعظم عناؤه من غير جدوى..”. هذا هو الغريب الذي أرى أنه قد تحدث عنه الهادي البشير، صلى الله عليه وسلم، فأية جمرة أشد حرارة في اليد من جمرة أن تُدرك ولا تستطيع، وأن ترى ولا تقدر، وأن تسمع ولا تُسمع. وعلى منوال دعبل الخزاعي يمكن القول والحالة هذه: إني لأفتح عيني حين أفتحها، على كثير من المسلمين، ولكن لا أرى إسلاما.. فطوبى للغرباء.. طوبى للغرباء..

6