فعالية فكرية في المغرب تطرح سؤال العلاقة بين الدين والعنف

موجة الإرهاب والعنف والتطرف التي تصاعدت في السنوات الأخيرة، بفعل عوامل متداخلة تدفع إلى طرح أسئلة تترك البعد السياسي النتائجي المباشر، لتغوص في الجانب الفكري الصرف، وجوهر هذه الأسئلة قضية مركزية مفادها؛ مدى اقتران العنف بالمقدس الديني؟ الصلة المفترضة بين العنف وتجلياته الإرهابية والدين من خلال الفهم المتوتر للنص الديني، دفعت مجموعة من الباحثين والمفكرين إلى طرح القضية وتفرعاتها في ندوة التأمت في المغرب.
الاثنين 2017/05/08
العنف بمسوغات دينية

الرباط- استضافت العاصمة المغربية الرباط السبت، مؤتمراً حول “العلاقة بين الدين والعنف” من تنظيم مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” للدراسات والأبحاث. ودعا مثقفون مغاربة وعرب في الندوة إلى وقف العنف في المنطقة العربية وفي العالم وركزوا اهتمامهم على العنف المبني على الأيديولوجيا الدينية والسياسية. وأشاروا إلى أن أغلب أشكال العنف في العالم العربي قائمة على أساس ديني أو ما سموه “العنف المقدس” بالرغم من أن “روح الدين” متسامحة وتدعو إلى التعايش.

الندوة العلمية التي اختتمت أعمالها أمس الأحد، حاولت استدعاء النظر الفلسفي إلى التباحث في موضوع العلاقة بين الدين والعنف، انطلقت مما يسود المنطقة العربية الإسلامية من سعار العنف والإرهاب لتطرح أسئلة إشكالية من قبيل؛ ألا يقترن العنف -أحيانا كثيرة- بالمقدس الديني؟ وهل يمكن تأسيس ثقافة العيش الجمعي على أساس ينفي فكر العنف وأدواته؟ ما هي العوائق التي تحول بين البشر وتأسيس مجال عيش مشترك خال من أسباب التنازع والعدوانية؟

وجاء في الورقة التقديمية لمؤسسة “مؤمنون بلا حدود”، أن التفكير في علاقة المقدس بالعنف هو انفتاح على إشكالية أوسع تتجاوز فكرة حالة الطبيعة التي ليس لها إلى حد الآن أي مقاربة حاسمة على مستوى الدراسات السيكولوجية، لتشمل بعدا آخر يخص فكرة الوثوقية والاعتقاد.

ما يتطلبه العنف هو معتقد يسوغ القتل ورجال يصوغونه باعتباره الحل الوحيد، وآلة قتل تبدأ بالسكين وتنتهي بالطائرة

ولذا، إذا خرجنا من إسار فكرة حالة الطبيعة واستقرأنا التاريخ البشري، سنلاحظ في الكثير من الحوادث التاريخية أن المعتقدات كانت حافزا للصراع العدواني، كما أن واقعنا الراهن يقدم أمثلة عديدة لأشكال العنف الديني التي تبرر نفسها بزعم امتلاك الحقيقة، وإرادة فرضها على المخالف. فهل يكون اليقين بمدلوله الوثوقي هو الحافز لإبداء العنف؟

يذهب الفيلسوف الفرنسي رونيه جيرار إلى الزعم بأن العنف ولد من رحم المقدس، بل ثمة تلازم بينهما، وقد استدل على ذلك بتحليله لمجموعة من الأساطير والطقوس المختلفة، منتهيا إلى أن العنف ملازم للفكر الديني حتى في لحظات تأسيسه الأولى، بل يذهب في تحليله إلى فكرة القربان والأضحية بوصفها دالة على السلوك العنفي المتماهي مع الموقف الديني.

لكن في مقابل ذلك، ثمة تأويلات فلسفية للأصول المرجعية الدينية، سواء داخل الحقل الإسلامي أو المسيحي سعت إلى إبراز مواقف ومقولات من داخل نصوص تلك المرجعيات وأزمنتها التأسيسية الأولى، للتأكيد على نفي العنف وتجذير قيم العيش المشترك. قائلة بأن الدين ليس هو في حد ذاته مصدر العنف، بل لا يوجد العنف ويتمظهر إلا وفق منطق خاص في فهم الدين وتأويل العالم، ينحو نحو الأحادية والوثوقية.

في سياق هذا التباين في فهم علاقة الدين بالعنف، سعت مؤسسة مؤمنون بلا حدود من خلال تنظيمها لهذه الندوة إلى استدعاء النظر الفلسفي للتباحث في الموضوع من خلال محاور أربعة:

المحور الأول: العنف والمقدس، مقاربات في الدلالات والأسباب. وفيه مفاصل فرعية تقوم على بحث في دلالات العنف وأنواعه، ومعنى المقدّس، وهل يمكن حصره في المقدس الديني؟ ولماذا العنف؟ ما هي العوامل المحفزة له؟ ما أسباب نشأة العنف في صلته بالمقدس وما هي تجلياته وغاياته خاصة عندما يرتبط بالنصوص الدينية؟

المحور الثاني: يستنطق علاقة الدين والعنف من منظور فلسفي. وفيه أيضا محاور فرعية تبحث في مقاربة الفلسفة لظاهرة العنف واللاعنف؟ ودراسة نماذج من الفلسفات التي اختصت بمقاربة ظاهرة العنف والعنف الديني. وكيفية مقاربة الفلسفة فكرة الوثوقية المعرفية/ الدينية من حيث علاقتها بتأسيس منطق العنف؟ المحور الثالث: بحث علاقة الدين والعنف من منظور العلوم الإنسانية، وفيه مفاصل اهتمت بمقاربات العلوم الإنسانية لظاهرة العنف من حيث علاقتها بالدين؟

اما المحور الرابع والأخير: فسلط الضوء على فلسفات اللاعنف وأطروحات لتأسيس العيش المشترك. وفيه ورقات درست أطروحة اللاعنف في تجليها الفلسفي والديني. وإمكانية التأسيس لثقافة العيش المشترك من داخل الدين؟ والحلول المقترحة للخلاص من دوامة العنف المتلحف بغطاء المقدس والمؤمن بصورة وثوقية بالحقيقة الواحدة التي يدعي امتلاكها؟ وهل أن عنف الدولة امتداد للعنف المقدّس؟ أم هو عنف شرعيّ مقنن ومحسوب تضبطه مجموعة من القوانين الوضعية؟

العنف الديني كرنفال يحتفى فيه بالقتلة والمقتولين

الباحث السوسيولوجي العراقي عبدالله إبراهيم، قال في ورقته المقدمة في الندوة إن “من أطرف ما وقع في تاريخ الإنسانية أن يتم الاحتفاء بزعماء العنف والميليشيات كما يحتفى بهم الآن في بلدان مثل العراق”.

وأضاف أنه لم يسبق في أي فترة من فترات القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين أن “احتفي فيها بزعماء العنف في العراق كما في هذه الفترة”. وقال إن العنف في العراق عبارة عن “كرنفال يُحتفى فيه بالقتلة والمقتولين وهذا أمر خطير”.

وأضاف إن “ما يجري في بلدان النزاع جعل العنيف هو رجل الساعة، والميليشيات هم أبطال البلد وليس العلماء أو المفكرون”. وشدد إبراهيم على أن “أشكال العنف لم تختف يوما ما، لكن وتيرته تتصاعد كلما توفرت ظروف مساعدة لذلك”.

وتابع أن “هذا التصاعد يكون إما بسبب التقدم العلمي واختراع وسائل العنف الفاتكة، أو بانهيار سلم القيم الأخلاقية الذي كان يكبح بعض العنف، أو باستعادة الصراعات المذهبية والدينية التي كنا نتصور أن التمدن قد حال دونها، أو بظهور الحركات الاستعمارية وحركات المقاومة والحروب الأهلية”، معتبرا أنها “كلها سوغت العنف بشكل أو بآخر”.

واعتبر أن “ما يتطلبه العنف هو معتقد يسوغ القتل ورجال يصوغونه باعتباره الحل الوحيد، وآلة قتل تبدأ بالسكين وتنتهي بالطائرة”. وأوضح إبراهيم أن العنف الجماعي سببه “إما زهو قومي أو كبرياء دينية أو إيمان أعمى بالتراتب بين الجماعات والإحساس برفعة الأصل ودونية الآخر”.

ودعا إلى “جيل جديد من العرب والمسلمين يبتكرون مرجعيات خاصة بهم في العنف الذي عرفته وتعرفه المنطقة العربية لظواهر من ابتكارها”. واستطرد قائلا إن المفكرين العرب لا يمكن أن يرجعوا في كل مرة تفسيرات ظواهر العنف إلى مفكرين غربيين كالمفكرة الألمانية حنا أرندت التي استندت إلى النموذج النازي والسوفييتي الستاليني لتفسير ظاهرة العنف “مع أن العنف في العالم العربي له خصوصياته”.

وقال إبراهيم “نحن لدينا مظاهر ونوع من العنف له أسبابه غير الأسباب التي ظهرت في أوروبا”. وقال إن أغلب أشكال العنف مبنية على أساس ديني أو بالأحرى على “تفسير خاطئ للدين”.

وأضاف “حينما نأتي إلى معالجة أسباب وتحليل أو تفكيك هذه الظواهر بدل أن نقترح نظاما مرجعيا نابعا من الظواهر التي نعيشها ونشغل بها في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، نستعين بمرجعيات جهزها لنا الآخرون بالرغم من أنها مهمة بذاتها لكنها قد لا تنطبق وتحدد لنا الحلول التي نحن بحاجة إليها”.

وقال “الحل لكل مظاهر العنف والصراع هي إحلال الشراكة الاجتماعية محل التفاوض وينبغي النظر إلى الإنسان باعتبار إنسانيته وليس باعتباره رمزا لمذهب أو ممثلا لعرق أو جزءا من طائفة أو قبيلة… يجب قبول الآخرين كما هم بوصفهم كائنات إنسانية نتشارك معهم في الوطن وفي الدين وفي المذهب… وآنذاك لا حاجة إلى الصراع″.

ثمة تأويلات فلسفية للأصول المرجعية الدينية سعت إلى إبراز مواقف ومقولات من داخل نصوص تلك المرجعيات وأزمنتها التأسيسية الأولى

وخلص إلى أنه “من أوجب المهمات للباحثين العمل على تفكيك العنف المقدس الذي يزوّر رسالة الدين، ويعتمد على مدونة تفسيرية أو تأويلية خالفت روح الدين وأبطلت الروح السلمية التي توجد فيه”.

من جهته، توقف المغربي رشيد العلوي، الباحث في الفلسفة السياسية، بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، عند مسألة الخوف في الحياة المعاصرة باعتباره “عنفاً سابقاً عن العنف”.

وقال العلوي الذي تناول موضوع العنف من وجهة نظر الفيلسوفة الألمانية حنا أرندت، إن “النظام الاقتصادي العالمي اليوم مساهم في صناعة العنف وإبادة الأفراد بالتعامل معهم كأنهم مجرد نفايات بشرية، حسب أحد التوصيفات النقدية”.

واعتبر أن “عالم اليوم هو عالم رهبة، وأن الوسائل التكنولوجية الحديثة زادت في تعزيز المخاوف”. وتابع أن “مخاوفنا المعاصرة ليست من قمع سياسي مباشر، وإنما أصبحت حاضرة حتى عند التعامل مع مستشفى أو مطعم أو مجرد تواجد في شارع عام”.

أما مصطفى العارف، أستاذ الفلسفة بجامعة محمد بن عبدالله بفاس المغربية، فنبّه إلى أن عدداً من أشكال العنف منذ القرن العشرين تجاوزت حالة العنف العادي ومارست ما وصفه بـ”الشر الجذري والعنف المستطير”.

وأضاف العارف في كلمته أن “تلك الأشكال من جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي مارست العنف الجذري لذاته وبما هو غاية وليس مجرد وسيلة”. وتابع “قد نتعايش مع سلوكيات عنيفة عادية، لكن لا يمكن أن نفهم جرائم تضرب إنسانية الإنسان”.

واعتبر أن “تلك الجرائم الكبرى ضد الإنسانية لا تتوافق والسلم الإنساني بل تخترق الحدود وتتجاوز النهايات؛ حيث كانت تنقب عن الآليات القصوى للألم والتي لا تجعل من الموت غاية بل تعمل على إطالة عمر الموت إلى أقصى حد”.

13