فعل الخير

الأحد 2017/05/28

في صالة انتظار بمستشفى، تجلس امرأة تمسح على رأس ولد صغير طوال الوقت. أقول لها "ما مشكلة الولد؟" تقول "مسكين، يتيم ومريض".

"أليس ولدك؟".

"لا، أنا مشرفة في ملجأ أيتام".

"آه، عمل جميل".

“نعم، أحمد الله على هذه الفرصة، تعرفين المسح على رأس اليتيم، كما علّمنا النبيّ، طهارة من الذنوب”، تقول ذلك بكل تقوى وكفّها لا تتوقف عن المسح على رأس الولد الصغير اليتيم المريض. أتجمّد في مكاني.. يا إلهي! هل تستخدم رؤوس الأولاد كفوطة تمسح بها ذنوبها؟!

وهكذا، في تفسير حرفي وساذج لمعاني التوجيهات النبوية، يتعامل الكثير من الناس مع فكرة العمل الخيري، لا تختلف عن فكرة غسيل الأموال. سنذنب ثم سنشتري الغفران بالمسح على رأس يتيم، لذلك يجب أن يظل اليتيم يتيماً، علينا أن نذكّره بذلك طوال الوقت: أنت يتيم، أنت مخلّصنا من الذنوب، أعطنا رأسك لتعمل عليه أيادينا مسحاً فنتطهر وندخل الجنة على حساب رأسك الذي تقرّح تحت أكفّنا الآثمة.

بينما من المُفترض أن يُعتبر اليتيم ابن المجتمع كله، فكل أب هو أبوه، وكل أمّ هي أمّه، و كل امرأة لم تحبل وكل رجل لم يرزق بالولد، أيتام العالم هم أولاده. كيف يكون في القلب حنان لا يُسكب على طفل شاء القدر أن يُحرم من أبويه، ومَن أحق بالحب المطلق سوى الأطفال؟

الإحساس بالمسؤولية تجاه اليتيم منطلق من استحقاقه للمحبة والاهتمام والعناية مثله مثل أيّ طفل.. تمامًا مثل أيّ طفل دون أيّ فرق. من قال إن اليتيم يجب أن يظل ابن المؤسسة الرسمية التي ترعاه فقط وأن يظل رأسه سُخرة لأيادي المشرفات “التقيّات” الباحثات عن التطهر في رأس يتيم؟

لن تكون خيّرا حقاً حتى تعمل الخير لأجل الخير ذاته، لأجل أن تساعد إنسانا في محنة، إنسانا في أزمة؛ طالب علم عجز عن دفع مصاريف الدراسة، ذا عيال عجز عن دفع إيجار بيته، أمّا لا تملك ثمن الحليب لرضيعها بعد أن جف صدرها.

أنت تمدّ يد العون ليس لأنك مستغن عمّا لديك، ليس لأنك ثري وهم فقراء، ولكن لأنك إنسان تريد وتستطيع مشاركة ما لديك مع إنسان آخر أشدّ حاجة منك ولا يملك من الرزق سوى ما زرقك الله لتعطيه.

أنت تمدّ يدك إليه لأنك تريد أن تساعده، وتؤدي نحوه أمانة الله، وحين يعطيه الله سيعطيك، وهكذا تستمرّ الحياة. قصة الطهارة من الذنوب وشراء الجنة بالصدقات والحسبة السطحية للحسنات التي يتعامل بها الناس بشكل مكشوف ومباشر هذه الأيام تثير الاستغراب؛ تجد الرجل الرشيد منهم يفرش يديه على سطح مكتبه في العمل، يُسبحل ويحوقل بصوت عال وهو يعدّ على أصابع يديه.

وإذا سألته ماذا تعدّ؟ يقول: أعدّ كم بقي لي لأكمل بناء بيت في الجنة! وآخر يعدّ خطواته للمسجد، يسير ببطيء، بخطوات متقاربة، كي يكثر عددها فيستعجل بناء البيت والحقل السماوي!

من علّم الناس هذا التعامل السطحي مع فكرة الخير والتقوى؟ من جعلهم هكذا ضيقي الرؤية كحصان معصوب العينين إلا من خط سير واحد مرسوم أمامه؟ ومن قال إن أي خير تفعله يُلزم الله نحوك بأيّ شيء؟!

كاتبة من الإمارات

21