"فقدان الأهلية" حيلة الأبناء للاستيلاء على أملاك والديهم

قضايا الحجر الكيدية تكشف طغيان الطمع في المال لدى الأبناء على الروابط الأسرية المتينة.
الثلاثاء 2019/07/16
تجريد من كل شيء

يواجه الكثير من الآباء والأمهات قضايا كثيرة يرفعها الأبناء ضدهم في فترة الشيخوخة، تحمل بعضها اتهامات مثل فقدان الأهلية أو الخرف وتبديد المال وغيرها، ويطالب الأبناء بالحجر على الآباء أو الأمهات وتكاد معظم هذه القضايا تكون كيدية يستهدف منها الأبناء مصالحهم المادية، خاصة إذا تحولت علاقتهم بوالديهم إلى علاقة تقوم على المال فيطمعون في الاستفادة من رزقهم وأموالهم قبل أن يحين موعد الميراث.

يلجأ العديد من الأبناء إلى استغلال القوانين والتشريعات للاستيلاء على أملاك والديهم أو أحدهما، وإن كان الطمع السبب المباشر لهذا السلوك إلا أنه يخفي حزمة من المشكلات الأسرية ويقدم برهانا على ضعف أو انعدام الروابط العاطفية بين الآباء والأبناء في مقابل طغيان المادة والرغبة في الثراء مهما كانت التكلفة. كما يفضح هذا السلوك العديد من الهنات التربوية كون الابن الذي يلجأ إلى التقدم بشكاية في حق الوالدين أو أحدهما للحجر على ممتلكاته يرجح أنه نشأ على الطمع والأنانية المفرطة وحب المال.

يروي أب مقيم بإحدى دور المسنين (رفض ذكر اسمه) حكايته قائلا “توفيت زوجتي منذ ثلاثين سنة وتركت لي بنتا عمرها سنة واحدة، وقمت بتربيتها بنفسي، حتى كبرت وتعرفت على زميل لها في الكلية واتفقا على الارتباط، وكان هذا الشاب لا يملك شيئا، فاشتريت لهما الشقة والمفروشات، وتم زواجهما وشعرت وقتها بأنني أديت رسالتي على أكمل وجه، وفي هذه اللحظة فقط شعرت أن زوجتي قد توفيت بالفعل، بعد أن أصبحت وحيدا مع انشغال ابنتي بحياتها الجديدة”.

تعرف الأب بعد فترة على جارة له أرملة ولإثبات حسن نيته لها دفع لها المهر وكتب باسمها قطعة أرض، وفوجئ بعد أسبوع بزوج ابنته يرفع قضية ضده مطالبا فيها بالحجر عليه بعد أن حصل على توكيل من ابنته، ويوضح الأب “لم أصدق نفسي وقتها، وفقدت من الصدمة إحساس الأبوة وعهدت إلى محام صديق بالقضية حتى حصل لي على حكم ببطلان الدعوى، وقررت بعدها النزول في إحدى دور المسنين هربا من طمع ابنتي وزوجها”.

الزيادة في قضايا الحجر الكيدية تظل نتيجة للتفكك الأسري الذي تدعمه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية مثل البطالة والفقر

ويقول أستاذ علم الاجتماع منصور سيد إن الحجر على الوالدين ظهر في سبعينات القرن الماضي وانتشر كظاهرة اجتماعية بالتوازي مع زيادة اهتمام الوالدين بتحقيق المكاسب السريعة التي تعد محور اهتمام الجميع بمنطق عصر المادة، ومع تكوين الدخول المادية المرتفعة ظهرت قضايا كثيرة هدامة اجتماعيا، منها تمرد الأبناء على الآباء، فكل ابن يرى أباه قد جاوز الستين من عمره، أو يريد أن يتزوج، يسارع إلى الحجر عليه، وهذا يرجع بشكل رئيسي إلى غياب القيم الأسرية التي غابت لأسباب متعددة أهمها تكليف الوالدين غيرهم بتربية أبنائهم وانشغالهم بالأعمال وجني المال.

هذا التغير في علاقة الأسرة والآباء والأمهات بالمال ترتب عليه تقلص في العواطف وفي إظهار الحب والحنان، وهذا ما يعتبره البعض سمة المجتمعات العصرية والحضرية. ويرى المختص الاجتماعي أن هذه التغييرات أقل في الريف حيث ما زال الوالدان متمسكين بمباشرة تربية الأبناء بنفسيهما وحيث ما زالت غالبية الأمهات يلازمن البيت لتربية الأبناء، بجانب ضعف طغيان المظاهر والمادة على حساب التماسك العائلي.

من جانبها ترفض أستاذة الدراسات الإنسانية هدى الشريف، أن تعتبر قضايا الحجر على أحد الأبوين ظاهرة، وترى أن وجود قضايا الحجر بأعداد متفاوتة نسبيا في المجتمعات العربية لا يعني ضرورة أنها بلغت مستوى الظاهرة من ناحية التكرار الدوري والكم الهائل منها وظهورها المفاجئ.

وتشير الشريف إلى أن جل الأسر العربية تمر بمرحلة خطيرة قائمة على التغيير مواكبة للمجتمع وهو تغيير يحمل بالضرورة ملامح مختلفة عن الماضي سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، وفي النهاية التغييرات لا بد منها، وجميعها تترك بصمتها على الأسرة والعلاقة بين أفرادها.

الاستفادة من أموال الآباء قبل موعد الميراث
الاستفادة من أملاك الآباء قبل موعد الميراث

وفي مستوى علاقة الأبناء والآباء في مرحلة الشيخوخة يرى البعض أن الأنانية وحب المادة باتا يطغيان على سلوك بعض الأبناء، وبالتالي فرضت هذه المتغيرات نوعيات معينة من المشاكل من أبرزها تفاقم حالات الحجر على الوالدين، ومنطقيا طلب الحجر عملية مشروعة في حال ثبوت أن مدارك الأب أو الأم نقصت بمفعول التقدم في السن وبات من المتوقع أن يلحق الضرر بمصالحه ومصالح الأسرة المادية. ويكون التأكيد من خلال كشف طبي يبين أن الشخص المطلوب الحجر عليه فاقد للقدرة على التصرف أو بمعنى آخر فاقد للأهلية، وهنا يكون الحجر عليه مشروعا ومبررا حماية له ولأمواله. وتضيف الشريف “إذا ما نظرنا إلى أغلب هذه القضايا، فإننا نلاحظ أن غالبيتها تقوم على جانب كيدي ناتج عن غياب أو ضعف الروابط الأسرية المتينة، بالإضافة إلى وجود رغبات كثيرة تحتاج إلى الإشباع المادي، وهذا ناتج عن الرغبة في الثراء السريع لدى الأبناء”.

ويقول أستاذ الطب النفسي مصطفى جمال يسري  “لا يتم الحجر على الوالدين أو أحدهما، إلا من خلال شهادة طبية صادرة من جهة حكومية وليست جهة خاصة، وتقدم ضمن أوراق القضية أو الدعوى التي يقيمها الأبناء على أبويهم، ولا يحكم على المدعى عليه بأنه مريض إلا من خلال بعض الأعراض التي تصاحب زيادة في الإسراف والإنفاق الزائد أو تعدد الزيجات غير المتكافئة في مرحلة عمرية متقدمة”.

وتظل الزيادة في قضايا الحجر الكيدية نتيجة للتفكك الأسري الذي تدعمه العديد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وأبرزها البطالة والفقر، ما يجعل بعض الأبناء يفكرون في اللجوء إلى حيل قانونية لتحقيق أهدافهم الشخصية والمادية متكلين على ثمار جهود غيرهم دون التفكير في أمر الضحية، بحسب المختص النفسي.

ويشبه أستاذ التربية عبدالغني جمعة الحجر بالحلال البغيض مثل الطلاق تماما، ويعتبره مشكلة خطيرة، لأنه يقوم على كسر مبدأ حرية الفرد في التصرف في ماله، ولا يجب أن تكون هناك مطالب بالحجر إلا في ظل وجود مبررات قوية من أهمها إمكانية أن يضر الفرد بنفسه وبمصالحه وماله، ويرجع تفاقم مشاكل الحجر على الآباء والأمهات إلى تهميش دور كبار السن في المجتمع ككل بدء من الأسرة، بجانب التربية غير السوية التي نجمت عنها العديد من الظواهر مثل عقوق الوالدين وإهمالهما وغيرهما.

واليوم تنتشر في المجتمعات العربية العديد من مظاهر الاعتداءات على هذه الفئة الاجتماعية المستضعفة والحجر على أملاك بعضهم بنية الاستيلاء على ممتلكاتهم وأموالهم، من بين هذه الاعتداءات ما يمرر تحت غطاء قانوني ولكن جميعها تكشف خللا في قيم التماسك والترابط الأسري الذي يعد من أهم مقومات التربية.

21