فقدان الثقة بالنفس انعكاس لتشوه صورتنا في مرآة ذواتنا

الفترات النفسية الحرجة تتطلب منا لترك اللحظة المزعجة تمرّ، والكيان الاجتماعي للفرد يرتبط بمدى ثقته بنفسه.
الأربعاء 2018/09/12
تقدير الذات أحد الأبعاد المهمة للشخصية

كثيرا ما تهتز ثقتنا بأنفسنا لأبسط سبب، خاصة إذا واجهنا فشلا ما في واحدة من حلقات حياتنا أو أدوارنا سواء أكانت في الحياة الاجتماعية أو العمل. ويكون مصدر هذا الإحساس مجرد أفكار ساذجة وغير منطقية تصورها لنا مخيلتنا بسبب الضغط النفسي الذي يمارسه علينا شعورنا بتدني احترامنا لأنفسنا.

يعتبر الإخفاق في عمل معين أو حتى التلكؤ في إنجاز واجبات يومية بسيطة، فشلا معيبا في نظر بعض الناس، وبالتالي يصعب التخلص من ثقل هذا الشعور ومن تداعياته.

ويواجه أغلب الناس مشاعر من هذا النوع بصرف النظر عن تكوينهم النفسي وخلفياتهم الاجتماعية والثقافية، بل إن بعض أصحاب المهن التي تمتلك قيمة معنوية خاصة هم أكثر معاناة من فترات نفسية حرجة تهتز فيها ثقتهم بأنفسهم. بعض الأدباء والكتّاب مثلا وعندما يواجهون فترات التوقف القسري عن الكتابة لأي سبب كان، يبدأون بلوم أنفسهم والتشكيك بقدرتهم على الكتابة أساسا وبأنها كانت مجرد خربشات والدليل أنهم لا يستطيعون تدوين حرف واحد في هذه اللحظة.

كما يقسو البعض على أنفسهم إذا أخطأوا في تقدير مهمة ما في سياق عملهم، إلى درجة أن أحد الموظفين المرموقين قد يسأل نفسه: كل ما تعلمته في سنوات الجامعة لم يكن شيئا يذكر، فأنا لا أتذكر شيئا على الإطلاق. وفي بعض الحالات يصل الأمر إلى أن يظن البعض بأن كل ما يجده من احترام وتقدير الآخرين له، بأنه نفاق وغير حقيقي حيث يميل الناس لفعل ذلك فقط ليظهروا بأنهم لطيفون، ولأنه لم يفعل شيئا يستحق عليه كل هذا.

وتشدد الدكتورة أليس يويز؛ طبيبة نفسية وباحثة أميركية في مقالها الأخير في مجلة “علم النفس الاجتماعي”، على أنه مهما كانت قوة الأفكار التي تشكك بقدراتك وتهز ثقتك بنفسك، قابلها بالسخرية، فالاستهانة من مثل هذه الأفكار غير المنطقية هي الحل الأمثل في حالات معينة وهي الحالات التي يمكننا فيها الكشف بسهولة عن تشوه أفكارنا، شرط ألا يكون مستوى الثقة بالنفس قد وصل فعلا إلى أدنى مستوياته.

ولعل أفضل ما يمكننا أن نقوم به في بعض الأحيان، أن ندع اللحظة المزعجة تمر ببساطة فنمنح أنفسنا بعض الوقت لاستيعاب أي حالة نفسية مزعجة، ومنها الشعور بتدني مستوى الذات والثقة بالنفس، على أمل أن ينتهي كل شيء في اليوم التالي وتعود الأمور إلى وضعها الطبيعي، إذ أن جعل اللحظة تمر والصبر على ترويض المزاج الداكن الذي يرافقها، مهارة يحتاجها الجميع وهي بالفعل ستفسح المجال للأمور لتسير بسلاسة على نحو مدهش.

وبعض الأشخاص يلجأون إلى بدائل أخرى تبدو للوهلة الأولى غريبة وغير منطقية؛ فحين يواجه شخص موقفا محبطا يشعره بالعجز وفقدان الإيمان بالنفس ثم تنهار معه حصونه النفسية، فإن أفضل ما يمكنه فعله هو إيجاد عمل أو هدف أكثر مدعاة للعمل الشاق وفيه من تحدي الذات الكثير.

الإتيان بالحركة الدالة على الثقة بالنفس يترك عند الفرد انطباعا واستشعارا يتمثلان بصفات الواثق من نفسه

وينظر بعض المتخصصين إلى هذه الاستراتيجية النفسية بجدية، وهم يجدون فيها “خروجا آمنا من منطقة الراحة والروتين المعتاد”، إلى أماكن جديدة أكثر تحديا بحيث تبدو فيها الأماكن القديمة التي توقفنا عندها طويلا وشكلت تحديا كبيرا بالنسبة إلينا، مجرد أماكن عادية لا تستدعي كل هذا القلق الذي عانينا منه فالتعرف إلى مصاعب أكبر هو الذي يفرّغ مصاعبنا القديمة من الهالة التي جعلت منها يوما ما مصدرا لتعاستنا واهتزاز ثقتنا بأنفسنا.

ويرى وليام جيمس؛ وهو من رواد علم النفس الحديث، أن الإتيان بالحركة الدالة على الثقة بالنفس يترك عند الفرد انطباعا واستشعارا يتمثلان بصفات الواثق من نفسه، وعلى العكس من ذلك، فإذا أتى بحركات دالة على تخاذل نفسي فإنه يفقد ثقته بنفسه.

إلى ذلك، فإن الوضع الاجتماعي للفرد يرتبط بمدى ثقته بنفسه وذلك لأن الكيان الاجتماعي لأي فرد يحدد من خلال كيانه النفسي وفكرته عن نفسه، فالفرد يولد وهو مزود بعدد كبير من الموروثات المتعلقة بنوعه البشري والتي تحكم سلوكه بعض الشيء، لكنه سرعان ما يتأثر ببيئة مجتمعه الذي يعيش فيه وبالتالي فإنه يخضع في سلوكه لمجموعة من المحددات الاجتماعية، ويمكن القول إن تكيفه الإيجابي مع البيئة الاجتماعية إنما يتحدد كثيرا بمدى ثقته بنفسه. كما ينبغي أن تتوفر للفرد المقومات الوجدانية حتى يستطيع أن يتمتع بالثقة بالنفس، ومنها الاتزان والاستقرار الوجداني والتفاؤل بالحاضر والمستقبل والتحرر من المخاوف.

وتعتمد الثقة بالنفس أساسا على طريقة تقييمنا لذاتنا، وهي الصورة أو المرآة التي نرى من خلالها أنفسنا، ويعد تقدير الذات أحد الأبعاد المهمة للشخصية، بل يعده علماء النفس من أكثر تلك الأبعاد أهمية وتأثيرا في السلوك، فلا يمكننا أن نحقق فهما واضحا للشخصية أو السلوك الإنساني بوجه عام دون أن نشمل ضمن متغيراتنا الوسطية مفهوم تقدير الذات، وهو التقييم الذي يقوم به الفردـ ويحتفظ به عادة ـ بالنسبة لذاته، وهو يعبر عن اتجاه الاستحسان أو الرفض.

ويدل تقدير الذات العالي على أن الفرد ذو كفاءة أو ذو قيمة ويحترم ذاته أما تقدير الذات المنخفض فيشير إلى رفض الذات وعدم الاقتناع بها، حيث يرتبط بمظاهر اكتئابية وبمشاعر محبطة وأعراض القلق؛ فالأفراد ذوو التقدير المنخفض، تتعذر عليهم أو تصعب عليهم من الناحية العاطفية إقامة علاقات مرضية مع الآخرين، ويعتقدون أن الآخرين لا يقبلونهم، ولكنهم في الوقت نفسه يرغبون في أن يكسبوا محبة وتقبل الآخرين لهم، وهذا هو الذي يهز ثقتهم بأنفسهم.

21