فقدنا براءتنا التكنولوجية

فقدنا خصوصيتنا عندما أصبحنا نحمل آلات المراقبة في جيوبنا ونثبتها في منازلنا. ويبدو أننا سعداء جدا بالسماح لغوغل بالبحث فينا! بعد سنوات من البحث فيه من أجل المعرفة.
السبت 2020/02/08
صار يعرف عنا أكثر مما نعرفه عن أنفسنا

يستخدم صحافي على درجة عالية من الحساسية تعبير “فقدان البراءة التكنولوجية” وهو يتحدث عن الخصوصية المفقودة في عالم رقمي طاغ على حياتنا، ومع أن الدلالة الموغلة في الشخصنة الكامنة بمفردة البراءة تثير نوعا من النفور أو الازدراء، لكن آلان روسبريدجر يعنيها وكأنه يتحدث عن علاقة إنسانية حميمة متعلقة بالحب!

فروسبريدجر كان أكثر رئيس تحرير بقي في موقعه بصحيفة الغارديان البريطانية وهو اليوم يترأس معهد رويترز لدراسة الصحافة وكبير المستشارين في شركة اتصالات أوتاوا، وحساسيته العالية متأتية من مسؤولية وجدت على عاتقه جعلته يحذر من الفقدان المستمر لمفهوم الخصوصية، عندما أصبحنا نحمل آلات المراقبة في جيوبنا ونثبتها في منازلنا. ويبدو اليوم أننا سعداء جدا في السماح لغوغل بالبحث فينا! بعد سنوات من البحث بشغف فيه من أجل المعرفة.

فقدان الخصوصية صار سمة بشرية مشتركة ومستمرة في الانهيار وبمعاولنا التكنولوجية وباندفاع قل نظيره في التاريخ الإنساني.

قد نكون جميعا غير مرتاحين لمنح الكثير من الشركات الكبرى حق الوصول إلى حياتنا بحيث صارت تعرف عنا أكثر مما نعرفه عن أنفسنا، في المقابل نحن سعداء بتداول تلك البيانات من أجل الخدمات “المجانية في الغالب!” التي تقدمها لنا الشركات التكنولوجية الكبرى مع أنها مرفقة بالكسل المعرفي عندما تخلصنا من مشقة البحث المضني في المصادر المكتوبة.

تقول ماريا روزاريا تاديو، الباحثة في معهد أكسفورد للإنترنت ونائبة مدير مختبر الأخلاقيات الرقمية إن هذه الراحة لها ثمن، “فكرتي التخمينية هي أنه كلما زاد عدد المدن الذكية كانت مساحة الهجوم أوسع”.

مع ذلك، يمكن لكل شيء أن يتعطل وينهار في غمضة عين كما هو الحال دائما في العالم الرقمي. فالمطالب السياسية والشعبية تتصاعد يوما بعد آخر من أجل هدم معبد فيسبوك مثلا على مشيديه!

لذلك تحذر تاديو في تصريح لصحيفة فايننشيال تايمز، من الوقت الذي تنتشر فيه عمليات جمع البيانات ويستمر التوثيق، فإن الخطر هو أن ننشِئ سجنا دائريا ـ تتم مراقبة نزلائه على مدار الساعة ـ من خلال توسيع أنظمة المراقبة على نحو لا يتناسب مع التهديدات.

لقد فقدنا براءتنا عندما جعلنا التكنولوجيا تستخدمنا منذ أن جعلنا أجهزة الطبخ والتسخين والتبريد في زوايا المطبخ تراقب كل كلمة تقولها ربة البيت لأطفالها وزوجها تحت مسوغ معرفة رغبات الساكنين لتلبية طلباتهم!

وفقدنا براءتنا التكنولوجية منذ أن وضعنا جهاز كشف خياناتنا في جيوبنا، وفقدنا براءتنا منذ أن كشفنا للآخرين مكان تواجدنا وسمحنا لأي كائن أن يتتبّعنا أينما كنا.

فقدنا براءتنا التكنولوجية عندما أرغمنا على الانصياع بصمت لكاميرات الدوائر التلفزيونية المغلقة القادرة على التحسس العصبي لتتعرف على الوجوه.

لقد ابتكرت الكاتبة شوشانا زوبوف مصطلح “رأسمالية المراقبة” منذ عام 2014، واختارت أن تنبه العالم في كتاب حمل عنوان “عصر رأسمالية المراقبة: الكفاح من أجل مستقبل بشري في الحدود الجديدة للسلطة” من عواقب المراقبة على مجتمع القرن الحادي والعشرين.

كفاح من أجل مستقبل بشري في الحدود الجديدة للسلطة
شوشانا زوبوف: البيانات تدر مالا كالنفط

فرأسمالية المراقبة وفق زوبوف “طفرة مارقة في الرأسمالية كنظام اقتصادي قائم على المراقبة” وإطار أساسي لفهم البيانات الضخمة بوصفها النفط الجديد الذي يجلب الثروة والحقل الأوسع للتجارة الرأسمالية، لعدم توفير قوانين الخصوصية أو مكافحة الاحتكار، الحماية الكافية من الممارسات غير المسبوقة للمراقبة التي تهدد الاستقلال الفردي والديمقراطية معا.

وتصف زوبوف أستاذة العلوم الاجتماعية في جامعة هارافارد رأسمالية المراقبة بأنها منطق اقتصادي واجتماعي. ينشأ عن مفهوم “قوة البيانات” للتحكم بالسلوك البشري على عكس القوة السياسية والعسكرية. فمن خلال التحليل التنبّؤي للكثير من البيانات التي تصف حياة وسلوك مئات الملايين من الناس، يمكن تحديد الروابط والأنماط السلوكية، والاستدلال على المعلومات المتعلقة بالأفراد، والتنبؤ بسلوكهم المستقبلي، ويتم تطوير هذا المنهج في الإعلانات عبر اختبار نطاقات ديموغرافية مختلفة، لمعرفة ما هو الأسلوب الأكثر نجاحا.

لا تبدو الاحتجاجات المتأخرة على هدر الخصوصية المستمر بتصاعد مخيف، التي يرفعها المفكرون والمسؤولون عن صناعة المعرفة للمجتمع، قادرة على انتزاع المبادرة من الشركات التكنولوجية الكبرى، فحتى جيفري فاولر كاتب أشهر التحليلات التكنولوجية في الصحافة الأميركية، يرى أن أجهزة المراقبة التي نضعها في جيوبنا ونثبتها في منازلنا جعلتنا نشعر بجنون العظمة! وكأن الأخ الأكبر عندما يرقبنا يمنحنا قدرا لم نكن نعتقده عن أهميتنا كأشخاص.

بينما تأتي كل المحاولات لاسترجاع خصوصيتنا من الشركات التكنولوجية متأخرة وغير جديرة بالوفاء، مقابل الغزو الذي يكتسحنا وبإرادتنا بطرق تزداد إثارة.

وإذا كنا نختلف اليوم على تعريف معنى الخصوصية فإنه لا يمكن لنا أن نتفق في المستقبل على تعريف ما بعد أن نفقد تمتعنا كأفراد بأي خصوصية.

لذلك تبدو الحاجة ماسة وعاجلة أن تفكر النخبة وأساتذة الجامعات المرموقة ومراكز البحث الاجتماعي بالآثار المترتبة على فقدان حقوق الإنسان من استلاب خصوصيته، قبل أن يغير الأفراد في المستقبل طبيعة مفاهيم الخصوصية الخاصة بهم، سواء الحقيقية أو المجازية. وإذا تغيرت المفاهيم التاريخية للبشر، عندها ستتغير القيم ويصعب علينا بعدها أن نتحدث عن البشر بوصفهم كائنات عاقلة تريد أن تجعل العالم مثاليا.

18