فقراء

السبت 2015/11/07

أول الغيث، كان أمطارا غزيرة هطلت على بعض المدن العراقية المبتلاة بسوء الخدمات المزمن، فالأمطار أدت إلى حدوث فيضانات في الشوارع الرئيسة والفرعية، كما وصلت سيولها المحملة بالأوحال والفضلات والأوساخ لتحل ضيفة غير مرحب بها على بعض دور المواطنين، واختار منهم من سكنا بديلا في الطوابق العليا من دورهم، ومن لا يمتلك صار مواطنا ساهدا في إقامة جبرية بين أربعة جدران آيلة إلى السقوط.

تحدث الأمطار في الغالب بسبب تمدد الهواء الرطب القريب من سطح الأرض، أو لالتقاء رياح مختلفة في درجة حرارتها ورطوبتها، أما الأمطار التي هطلت هذه الأيام على المدن العراقية فصار الناس ينظرون إليها بعين الشك؛ وعين الشك لا تشبه عين الرضا (عن كل عيب كليلة)، المطر الذي انتظره الناس على أحر من جمر الصيف كان رسالة مبهمة من السماء وتكاتفا مخيفا من قبل قوى الطبيعة مع سوء الحظ، ضد فقراء الشعب وما أكثرهم.

صنع المطر موتا جديدا بسبب التماس الكهربائي، فحصد أرواح أطفال كانوا يمرحون ويبحثون في برك من الأوحال عن طفولة ضائعة، كما سقط بعض كبار السن صرعى بينما كانوا يمرون في شوارع مدن تحولت بين ليلة وضحاها إلى أنهار من الحزن.

هذه الحوادث الفردية تحولّت إلى صور باهتة تداولها بعض الناس حينا من الزمن، حتى ابتعدت عن دائرة الضوء وسط مشاهد أخرى للموت اليومي. لكن صورة أخرى تفوقها بشاعة؛ كانت لسقف بيت انهار على ساكنيه فحصد أرواح ستة أطفال وأمهم، لقوا حتفهم في مدينة النجف، المنزل الذي كان آيلا إلى السقوط بسبب الفقر وضيق ذات اليد، تهاوى بعد ساعات من سقوط المطر، على أجساد ساكنيه وهم يغطون في نوم عميق ويحلمون بالغد الذي لم يأت.

كان المطر شريكا في الجريمة، بعد أن أشهر الفقر سيفه في وجوه الأطفال الأبرياء، وكنا شركاء في الجريمة بعد أن قرأنا وشاهدنا الخبر المفجع وأدرنا له ظهورنا، وكان الفقراء الذين نجوا شركاء آخرين في الجريمة لأنهم صمتوا وهم يقتربون بخطوات وجلى من موتهم الذي سيكون وشيكا. في مسوّدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، خبر قديم مفاده أن “لكل فرد حقا في الحياة والحرية والأمان” لكنها لم تعرّف الفقير باعتباره “فردا” تنطبق عليه هذه الحقوق، مثلما تتلبسه واجبات كثيرة في حياته القصيرة أهمها الصمت والتسليم بقدر لا يشبه الأقدار.

حتى الساعة، لا يوجد اتفاق دولي على تعريف الفقر، لكن بعض المحاولات البسيطة ما زالت تمارس الاقتراب من سطح الكلمة من دون أن تلامس جوهرها. والفقر كما يراه البعض، حالة من الحرمان المادي مع تدني المستوى المعيشي تحت مستوى “خط الفقر”، وهو المعيار الرسمي لإسباغ صفة (إنسان) على كائن حي يعيش بيننا ويكاد يشبهنا لو لا حظه العاثر.

الفقر، فقدان الضمانات لمواجهة المرض والإعاقة والبطالة والحالات الطارئة والأحوال الجوية العابسة، فهو وضع إنساني أكثر من كونه صفة اجتماعية، قوامه الحرمان المستمر والمزمن من الموارد بكل أشكالها مع استحالة توفير تكاليف المتطلبات الدنيا الضرورية من حيث المأكل والملبس والرعاية الصحية والمسكن.

لا يوجد تعريف محدد للفقير، ربما يكون هو الإنسان الذي يموت عندما يضحك المطر!

21