فقراء الأردن يأكلون في رمضان ويصومون بقية العام

خيمات وموائد إفطار رمضانية تستقبل الفقراء، واقتراحات بتوزيع التبرعات على مدار العام بعد رمضان منعا لاستمرار معاناة العائلات الفقيرة من الجوع بقية السنة.
الاثنين 2019/05/13
الفواتير لا تبقي من الراتب ثمن الطعام

عمان - خلف حاجز حديدي ارتفاعه متران ينتظر المئات من الفقراء قبيل مغيب الشمس في مدينة الزرقاء، وجبة إفطار لا تتيسر لهم في ظل أوضاع معيشية صعبة.

الفقر والجوع ظاهران للعيان على وجوه منتظري هذه الموائد المجانية التي تمولها جهات عدّة في شهر الصوم، ويكون أدسمها وجبة تلك التي تحتوي على لحوم بيضاء أو حمراء وأرز وخضراوات لا تتاح لفقراء يضاعف الصوم متاعبهم.

تقول أم ياسمين التي تقترب من عقدها السادس ورحل زوجها منذ عشر سنوات، إلى جانبها ثلاث بنات، وكانت تنتظر بالقرب من خيمة في منطقتها، “الوجبة الموعودة ليست لي، بل لأبناء بنتي بعد يوم طويل من الصيام”.

ومع ارتفاع الأسعار في الأردن، مع ثبات الدخول وتزامن حلول شهر الصيام، يصبح الفقراء ومتوسطو الدخل عاجزين عن توفير حاجياتهم الضرورية.

وتضيف أم ياسمين التي تحصل على مساعدة من وزارة التنمية الاجتماعية تذهب كلها لأجرة المنزل، أن “إفطارهم في ظل غياب هذه الموائد لا يزيد على علبة حمص وقليل من الزيتون في رمضان”.

في رمضان يُطعم الجياع
في رمضان يُطعم الجياع

“أجرة منزل وفاتورة كهرباء وماء وبنات بلا معيل، كلها أسباب أوقعتنا في الفقر الكبير وألزمتنا البحث عن هذه الموائد خصوصا القريبة منا”، توضح أم ياسمين المثقلة “بفواتير متراكمة تسببت في قطع الماء والكهرباء عن الأسرة مرات عدة”.

ومن العادات الجميلة التي احتفظ بها الأردنيون من رمضان أيام زمان هي لمة رمضان كما تقول التسعينية أم فهمي، “فرجال البلدة كانوا يجتمعون وقت آذان المغرب في رمضان في منطقة اسمها الساحة للإفطار الجماعي، فيما تفطر النساء في بيوتهن”.

وفي الخيمة ذاتها يطلب أبومحمد عدم ذكر اسمه أو الإشارة إليه وهو يصطحب أحد أبنائه ويحاول الحصول على طعام للآخرين من عائلته، يقول وهو يشيح بوجهه “الله يعين يا خال”.

ويقول لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن هذه الموائد رفعت الحرج عنه أمام عائلته، فكثير مما يوفره أهل الخير هنا هو عاجز عن توفيره، رغم أنه يعمل ويحصل على أجرة يومية ثابتة، لكن الحصول على وجبة مجانية كما يقول “يعني توفير المال لشأن ضروري آخر”.

أحد المجاورين لمائدة رمضانية مجانية يشير إلى أن “عددا كبيرا من المحتاجين يأتون إليها وهي صورة جميلة ومتميزة للتكافل الاجتماعي في المجتمع، متمنيا أن توجد طريقة أخرى لإيصال الوجبات إلى البيوت وفي ذلك قيمة أكبر وحفظ لكرامة المحتاجين.

في بلدة الهاشمية القريبة من الزرقاء علّقت لافتة على مبنى مطعم شعبي يطلب من المواطنين الذين لا يستطيعون دفع ثمن الوجبات الإشارة فقط إلى الإعلان، ليحصلوا على ما يريدون مجانا، وهو نوع آخر من تقديم الموائد للمحتاجين، أما في غويرية الزرقاء تقف سيدات عدّة أمام مخبز للحصول على كيس يحتوي أرغفة من الخبز مجانا.

وأعلنت الحكومة في وقت سابق أنها حريصة على دراسة ظاهرة الفقر، دون الاكتفاء بمجرد الأرقام حتى تتمكن من وضع حلول لها، بتوفير التشغيل والتأمين الصحي والنقل العام. وتشير الأرقام الرسمية إلى أن نسبة البطالة في المملكة تصل إلى 18.7 بالمئة من إجمالي الأردنيين القادرين على العمل، وتصل بين الإناث إلى 25.7 بالمئة، فيما تنخفض بين الذكور إلى 16.9 بالمئة، وتربط دراسات اجتماعية واقتصادية عديدة بين البطالة والفقر.

وتقدم الجهات الخيرية مؤنا رمضانية للعائلات المعوزة، وبسعادة بالغة تسلمت أم عرفات من العقبة قبل أيام الطرد الغذائي الذي قدمته لها إحدى الجهات الخيرية في العقبة والذي يحتوي على مؤن تكفيها وعيالها الأيتام طيلة أيام شهر رمضان.

ويقول الستيني أبوهاني الذي وقف بدوره ينتظر طرود الخير ليتسلم نصيبه منها إن “أيام رمضان كلها خير وبركة ففيها يطعم الجياع وتتنوع مأكولاتهم ومشروباتهم وهو الأمر الذي لا يجدونه في غير رمضان”.

ويدفع خبراء الاقتصاد نحو مأسسة التبرعات وتوزيعها على مدار العام منعا لاستمرار معاناة العائلات الفقيرة من الجوع بقية السنة وعدم الاكتفاء بالمساعدات التي تتلقاها في شهر رمضان الذي بات يحمل للفقراء بصيص أمل بمغادرة القطيعة مع مختلف أصناف الأكل والطعام.

مساعدات مناسبتية
مساعدات مناسبتية

ويؤكد الخبير نضال لافي أن هناك العشرات من العائلات تعيش تحت خط الفقر بدرجات تصل إلى الفقر المدقع، مدللا على ذلك بمن يتلقون المساعدات من صندوق التنمية الاجتماعية ومن صناديق الزكاة وغيرها من الجهات التي تعنى بالفقراء، والتي تقدم لآلاف العائلات مبالغ نقدية شهرية لا تتجاوز المئة دينار في الشهر، وهي مبالغ تكفي لسد الرمق لكنها أبدا لن تحقق أي مستوى حياتي مناسب للفقراء في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل عام.

ويقول لافي، إن خط الفقر لأسرة مكونة من أربعة أفراد يتجاوز 300 دينار في الشهر وهذا يجب أن يدفع إلى سياسة إنقاذ على المستوى الوطني للفقراء المتلقين للمساعدات الشهرية والتي لم تعد تكفي للوفاء بعيش يمكن وصفه بالكريم في ظل تزايد تآكل القوة الشرائية للدينار.

ويدعو لافي إلى إعادة النظر في فلسفة المساعدات الاجتماعية للفقراء، خاصة العوائل التي لا تجد من يعيلها وتعتمد بشكل مباشر على المساعدات التي غالبا ما تجيء في المناسبات وفي أشهر محددة في السنة منها شهر رمضان وربما على أبواب الأعياد.

ومن العادات الرمضانية في الأردن توزیع وجبات الإفطار على الصائمین في الطرقات، والتي تستمر طيلة شهر الصيام وتنظمها مبادرة ”فاعل خیر” وتهدف من خلالها إلى عدم الاستعجال في العودة قبل وقت أذان المغرب للحفاظ على سلامتهم، مع إدخال البهجة والسرور على قلوبهم.

20