فقراء الفسطاط يزينون القصور الفخمة في القاهرة

لا يعرف قاطنو الفيلات والقصور في مصر، أن معظم التحف والديكورات المحيطة بهم، من رُخام، وفُخّار، وفسيفساء، وفايبر غلاس، أتت إليهم من منطقة تسمى “بطن البقرة”، في حي الفسطاط بمصر القديمة، القابعة وسط أشهر وأكبر المدافن التاريخية في القاهرة.
الثلاثاء 2017/01/31
فنانون بالفطرة

القاهرة - كل قطعة ديكور تزين قصرا أو فيلا بأحياء مصر الراقية، يقف وراءها العشرات من العمال، الذين كل همهم توفير قوت يومهم، فينحتون الصخور، ثم يقومون بتعبيدها بواسطة أدوات معدنية مختلفة الأشكال، تسمى “الأزاميل”، حتى تعطي في النهاية تحفة أو لوحة فنية تتم صياغتها، وفقا لطلبات الزبون.

وفي حي الفسطاط قبل القاهرة بحوالي ميلين، وِرش صغيرة، معظمها غرف قديمة متهالكة، البعض منها يقبع داخل المقابر، والبعض الآخر مجاور لها، وأسقف لا يتجاوز معظمها بضعة ألواح خشبية متداخلة، ورغم الضآلة، إلا أن الوِرش تصنع بداخلها إبداعات فنية، يتفاخر مقتنوها بحيازتها، دون أن يعرفوا من أين أتت.

الكثير من المصريين لا يعرفون أن منطقة الفسطاط المتهالكة كانت عاصمة قديمة لدولتهم في يوم من الأيام، إنهم فقط يمرون على مقابرها، فيشاهدون التحف المعروضة أمامها، ويمتعون أبصارهم، حتى لو لم يبتغوا الشراء.

حسن يحيى، شاب لم يتجاوز الـ20 عاما، يمتلك ورشة صغيرة للجبس، ويعمل بتلك المهنة منذ ثماني سنوات، حيث يخلط الجبس مع الماء وخيوط الكتان، ثم يوضع الخليط في قوالب خشبية أو بلاستيكية، ليصبح في النهاية قطعا صلبة من الجبس، يتم تفصيلها ونحتها وفقا لرغبات الزبون.

يحيى، الذي أصبحت يداه في لون الجبس الأبيض مهما حاول تنظيفها، لا يعرف شيئا عن تاريخ “الفسطاط”، ولا أنها كانت عاصمة لمصر لفترة طويلة من تاريخها، كل ما يعرفه أن بقاء ورشته مرتبط بقاطني الأحياء الراقية الذين يتواصلون معه بشكل غير مباشر، عبر مكاتب المقاولات والمهندسين، للاتفاق على الأشكال والقطع التي يريدونها، ليصنعها في ورشته.

ويشكو يحيى من ارتفاع أسعار الخامات، فأسعار الجبس قفزت بنسبة 42 بالمئة، الأمر الذي أدى إلى زيادة تكلفة الصناعة، وانخفاض الإقبال على منتجات الديكور بوجه عام من جانب أصحاب الشقق السكنية، الذين باتوا يطلبون قطعا صغيرة للغاية، ما يجعل الأغنياء هم الزبائن الأول الذين هم “دائما على حق”، وتجب تلبية طلباتهم.

لوحات فنية

ارتفاع الأسعار

على بعد خطوات من ورشة يحيى، ينكفئ عيد محمود، الرجل الخمسيني، على بورتريه (لوحة) من الجبس يجب أن يتمه خلال أسبوع واحد، وفاء لاتفاقه مع الزبون، وعليه أولا أن يصنع القالب، ثم يبدأ في الرسم فوقه بواسطة أقلام من الرصاص، وبعدها يشرع في النحت – قطعة قطعة- حتى يصل إلى الشكل المراد.

ولا يمثل ارتفاع خامات الإنتاج المشكلة الوحيدة لعيد، فإلى جانب زيادة أسعار خيوط الكتان لتسجل 2.5 دولار، والجبس ليسجل قرابة الـ42 دولارا للطن، يشكو أيضا من تذبذب الأسعار التي تعرضه للخسارة، إذ قد يتفق على السعر مع الزبون، ثم يكتشف بعدها بساعات، أن أسعار الخامات قفزت، فيصبح عليه إتمام العمل المتفق عليه بسعر لا يحقق له أي هامش من الربح، علاوة على ارتفاع أسعار الكهرباء، وإيجارات الورش، يقول “أنا مطلوب مني دفع عمالة وإيجار بصورة يومية، رغم أنني قد لا أبيع أي قطعة لمدة أسبوعين كاملين”.

مشكلة أخرى تواجه العاملين في الجبس والديكور بصفة عامة يكشف عنها عيد محمود، فالعامل الصغير يترك ورشة مُعلمه قبل أن يتقن المهنة، ويفتح مشروعا مستقلا، يقدم عبره منتجات رديئة بسعر أقل، ما قد يؤدي إلى رفض الزبائن دفع المبالغ المستحقة على القطع الجيدة، بحجة المغالاة في سعرها.

ويمثل غياب التسويق مشكلة رئيسية أمام العاملين في صناعات الديكور، وعدم وجود رابطة أو غرفة صناعية تعبر عنهم، خصوصا في ظل ركود قطاع العقارات، الذي دفع بالكثير من مكاتب المقاولات إلى تغيير نشاطها، والتحول إلى التسويق والسمسرة باعتبارهما أكثر دخلا.

الحال متشابه مع منتجات الرخام وأحجار الزينة، التي تأتي من منطقة “شق الثعبان”، بالمعادي جنوب القاهرة، وسلاسل جبال البحر الأحمر، والجزء الجنوبي من شبه جزيرة سيناء، وأجزاء متفرقة من الصحراء الغربية، حيث تزايدت أسعار الرخام المحلي مؤخرا، بسبب ارتفاع تكلفة النقل، في أعقاب تحرير الوقود في نوفمبر الماضي.

وقال محمد علي، عامل بورشة رخام، إن جميع أنواع الرخام والأحجار تزايد سعرها، فأحجار رخام “سكاب” الخاصة بالفيلات قفزت إلى 5.2 دولار للمتر، ورخام “جلاله” إلى 3.5 دولار، و”المايكا” بنحو 3 دولارات، وحجر الرمل يتراوح من 5.8 إلى 14 دولارا للحجم والنوعية. وسجلت أسعار الخامات المستوردة قفزات كبيرة، فرخام “كرارة” و”إمبرادو” التركيان يتراوح سعرهما بين 11.7 و23.5 دولار للثانـي، والأخضر الهندي أصبح 23.5 دولارا، وسط حالة من الركود تعاني منها السوق، رغم ارتباط تلك الصناعة بالأغنياء في المقام الأول.

مهنة الفخار بدأت تندثر بسبب غياب اهتمام الحكومة، علاوة على تغير أنماط حياة المصريين، وانخفاض اعتمادهم على منتجات الفخار في حياتهم اليومية

وأكد علي لـ”العرب” أن مهنته تشبه البورصة؛ ترتفع يوما وتهبط يوما آخر، إلا أن الركود أصبح صفة عامة، ففي السابق كان يتولى تزيين فيلا بحجر “الهاشما” كل شهرين، وبعد ارتفاع أسعاره إلى 4.25 دولار للمتر، أصبح معظم عمله حاليا هو تغطية حائط أو أكثر بأحجار الزينة في غرف ضيوف الفيلات.

وأمام ارتفاع أسعار الرخام محليا، قررت وزارة الصناعة والتجارة فرض رسوم على صادرات الرخام المصرية بواقع 11.75 دولار على كل طن مصدر من بلوكات (ألواح) الرخام الخام، أو المشذب تشذيبا أوليا، وكذلك على الغرانيت الخام، إلا أن أصحاب الورش قالوا إن ذلك ليس كافيا لوقف نزيف تصدير الرخام المصري.

وبحسب اتحاد الجيولوجيين العرب، فإن مصر تصدر سنويا حوالي 3 ملايين طن رخام خام بقيمة 2.9 مليار دولار، وقالوا إن ذلك الخام يتم تصنيعه في الخارج، ثم إعادة تصديره إلى مصر وغيرها من دول العالم بما يزيد على 4 أضعاف سعرها.

نقوش نادرة

بمجرد دخولك إلى ورش الفخار بمنطقة الفسطاط، سوف تقتحم أنفك رائحة الطين المتخمر، فهناك لا تزال أقدم صناعة عرفها المصريون حاضرة تحاول الحفاظ على بقائها، ومنافسة العشرات من الصناعات الأخرى المجاورة على نقود راغبي تزيين البيوت.

يجلس علي حفني، عامل الفخار، أمام قطعة من الصلصال، ينقش عليها رسومات إسلامية، تمهيدا لإرسالها إلى المعرض، وتبدو رسوماته شبيهة بمشكاوات المساجد المصرية القديمة، لكن معالمها لن تتضح كاملة إلا بعد مرحلة الحرق، ليظهر جمال الرسم والخط معا.

الطمي الذي يعمل عليه صانع الفخار قادم من أسوان بجنوب مصر، ويأتي في صورة صخور ضخمة يتم طحنها في مصانع، لتورد بعدها إلى الورش التي تخلطها بالمياه، وتتركها تتخمر لمدة ثلاثة أيام كاملة، ثم تخضع بعدها لمرحلة “الدواس” (أي الدهس) أو العجن بواسطة الأرجل، ثم تبدأ مرحلة التشكيل على الحجر (أو الدولاب كما يسميه العاملون)، ثم مرحلة التزيين والرسم، وأخيرا الحرق داخل الأفران.

ووفقا لحفني، فإن مهنته بدأت تندثر بسبب غياب اهتمام الحكومة، على العكس من دول أخرى مجاورة مثل تونس التي تهتم كثيرا بهذا النوع من الصناعات التقليدية، كما أن غياب السياحة ضاعف من متاعب العاملين المالية، علاوة على تغير أنماط حياة المصريين، وانخفاض اعتمادهم على منتجات الفخار في حياتهم اليومية، والتي كانت تمثل الدخل الأكبر للورش.

وتعود صناعة الفخار بمصر، إلى نحو خمسة آلاف عام، إذ أنتج قدماء المصريين الأوعية العميقة، والمزهريات، والأواني، والأطباق، والصحون؛ وغير ذلك من أدوات المائدة، علاوة على القطع الفنية، التي كانت تصنع بمهارة حرفية عالية، ولا يزال العاملون بالمهنة يعتمدون على الكثير من تلك التقنيات حتى الآن.

تركيبة منفردة

في شارع مدخله ضيق، توجد ورشة “علي للفايبر غلاس”، المقامة فوق سقف منزل صغير، ولا يمكن الوصول إليها إلا بالصعود على سلم حديدي طويل، يربط بين عمالها الخمسة - الذين يملأ وجوههم الغبار الأبيض- ومنزل صاحب الورشة.

مهنة تعود إلى خمسة آلاف عام

يتكون “الفايبر غلاس” من الألياف الزجاجية والغراء ومادة تثبيت تساعد على ثبات الشكل والألوان، وتتم إضافة مادة دهنية يدهن بها القالب لتسهيل فصل المنتج بعد انتهاء العمل منه، ثم تفرش عليه الألياف الزجاجية الرقيقة، وبعد ذلك تصب عليـه مادة” الريزن”، حتى الوصول إلى الشكل المطلوب، وبعد جفافه يتم دهنه، ثم توصيل الكهرباء له.

ورغم إبداع العاملين في مجال “الفايبر غلاس”، إلا أن الأشكال النمطية مازالت مسيطرة عليهم، وشكل “عيش الغراب”، هو السائد بين الصناع، بجانب نافورات المياه الدائرية المضيئة، التي يصل ثمن الواحدة منها إلى نحو 411 دولارا.

قال محمود جاد، الذي يعمل بورشة “الفايبر غلاس”، إن مهنته تحتاج إلى خبرة كبيرة في كيفية مزج خامات “الفايبر” السائلة، (والتي يسميها هو بـ”البوليستر”)، بالمواد الكيمياوية التي تضاف إليها لتحويلها إلى الصورة الصلبة، ثم تأتي مرحلة التشكيل والتوصيل بالكهرباء.

تنتج الورش العشرات من أشكال الحيوانات، كالجِمال والزرافات والأُسود، ويزداد سعر الواحد منها كلما زاد الحجم، فالعبرة ليست بجودة الصناعة، ولكن بكميات “الفايبر” المستخدمة، والتي يتم استيرادها من الخارج، ويتم توجيه تلك المنتجات إلى الحدائق والمدارس ورياض الأطفال الخاصة في المقام الأول.

وأوضح لـ”العرب” أن الورش تشكو من سعر الدولار، مثلها مثل جميع الصناعات الأخرى، إذ يتم استيراد معظم المكونات من الخارج بالعملة الصعبة، الأمر الذي يمثل ارتفاعا كبيرا في التكلفة لا يقدر عليه المصنعون.

وهكذا فإنك – وأنت في الفسطاط- تجد ازدواجية عجيبة؛ الإبداع والنقش والتزيين بجوار أجساد الأسلاف، الجمال والتحف المتنوعة بجوار المساكن المتهدمة ومراعي الأغنام وأكوام القمامة.

العاملون الماهرون جدا لم يدرسوا النحت أو يتعلموا التجسيد، ومع ذلك يصنعون لوحات من الجير والرخام والصخور وكل ما يمكن أن تصل إليه أياديهم.. ثم إنهم لا يعرفون لمن بالضبط ستباع منتجاتهم، مثلما لا يعرف المشترون من هم بالضبط الفقراء الذين صنعوا: تناقض عجيب.

20