فقراء النصوص

تحولت الكتابة الروائية إلى موضة اجتماعية، فلكي تتعزز شخصية المرء اجتماعيا لا بد من أن تكون لديه رواية! وهذه فجيعة سردية نعيشها اليوم أفرزت كتّابا يتعاطون هذه الموضوعة مقابل أثمان مادية عالية.
الخميس 2018/12/13
خليط غير متجانس من الأجيال السردية يكتب بخط شروع واحد (لوحة: فؤاد حمدي)

خليط غير متجانس من الأجيال السردية يكتب بخط شروع واحد وتجربة متشابهة وأرضية مشتركة وتَوجُّه واحد وأفق لا يبتعد كثيرا عن الجميع، بل يستطيع القارئ أن يلمسه أو يستشفه أو يراه. وفي هذه المعضلة التي أفرزها التلقي المواظب على الجديد من السرديات العراقية ما يزال النقد متخلفا إلى حد بعيد. وحتى الآن لم يستطع أن يرصد الحركة البيانية لهذه الموجات السردية التي أعقبت التغيير السياسي فظلّ متفرجا إلى حد كبير. غير قادر على تصحيح مسارات كثيرة تحتاج إلى نبضٍ ناقدٍ وحقيقي في معاينة تدفق الموجة العارمة التي اجتاحت الثقافة في تسونامي الروايات منذ خمسة عشر عاماً.

المشكلة هي في هذا التزاحم/ لا التنافس/ والإقبال اللامحدود على أن يكون الجميع في الصورة ذاتها والمشهد الإبداعي ذاته في محاولة لخلط أوراق جيلية متعاقبة وواضحة لمن كان يتابع الحياة الثقافية والأدبية، وما محاولات البعض في تجييش العناصر الإلكترونية إلا مثال بسيط على هذه “الحماوة” غير المنضبطة في استثمار “جهل” المتابعة لدى الأجيال الجديدة وتوفير “قناعات” غير حقيقية عبر وسائل الاتصالات الجماعية التي تستطيع في لحظة واحدة أن تغيّر وجهات النظر بالرغم من أن القائمين عليها ليسوا من الأدباء، لكنّ المحركات الخفية ستكشف مَن وراء هذا التحريك “غير الأدبي”.

وسنعزو مثل هذه المحاولات إلى أسباب محددة: انفتاح أبواب النشر بشكل غير مسبوق داخليا وخارجيا مما ولّد شهوة كتابة تكاد تكون جماعية/ سهولة النشر والطبع بتكاليف أقل/ انتشار المطابع بشكل سريع لتجّار استغلوا فوضى الدولة الإدارية/ سهولة الكتابة لدى الكثيرين ضخّمت من موجة السرد/ تحولت الكتابة الروائية إلى موضة اجتماعية، فلكي تتعزز شخصية المرء اجتماعيا لا بد من أن تكون لديه رواية! وهذه فجيعة سردية نعيشها اليوم أفرزت كتّابا يتعاطون هذه الموضوعة مقابل أثمان مادية عالية/ افتتاح دور نشر كثيرة ساعد في توفير الغطاء المادي والأدبي لطبع الأعمال السيئة/ التسابق المحموم على الجوائز العربية أربك الكثيرين ممن يتطلعون إلى الشهرة المجانية/ تحوُّل الأغلبية من شعراء ومسرحيين إلى روائيين بجرّة قلم تبعا للحالة السائدة في المجتمع الأدبي/ شيوع المديح المجاني في مواقع التواصل الاجتماعية وتجييش أفراد يقومون بهذه المهمة بصفحات متعددة ومواقع كثيرة لإلفات الأنظار إلى هذه الرواية أو تلك، أو العمل عكس ذلك للتسقيط الفردي الذي تقف وراءه جهات ما قد تكون أدبية أو لا تكون/ فقدان التقاليد الثقافية التي كانت تعزز من قيمة الأديب اجتماعيا وأخلاقيا وأدبيا/ تكريس أخلاقيات غير محبّذة في تعاطي الرواية لهذا السارد أو ذاك والتشهير بها لأي سبب/ انتشار ظاهرة الشائعات حول هذه الكتاب أو ذاك.

وبالتالي تم خلط الأوراق بطريقة مجنونة مع هذه الملاحظات المتفاقمة التي تتزايد، لذا نجد أسماء كثيرة ظهرت وتظهر إلا أنها سرعان ما تختفي. وقد أشرنا في أوقاتٍ سابقة إلى أن المدّ السردي انحسر تقريبا بعدما ظهرت جزرٌ صغيرة فارغة ومتباعدة هنا وهناك ليتراجع موج الرواية قليلا ويفسح المجال إلى موجات أخرى يمكن عدُّها صحية في الأحوال كلها، بأسماء وأصوات جديدة تحاول أن تكون مع هذا الفيض الذي تراكم كثيرا وكاد يحجب الكثير من السرديات المهمّة، بل حجب بعضها بطريقة عفوية ربما أو بقصدية مارسها البعض عبر مواقع التواصل الاجتماعية الكثيرة وهي الأكثر شيوعا في توجهاتها.

هؤلاء الذين يتزاحمون مع بعضهم بعضا، ويزاحمون الحياة السردية العراقية ويخلقون توترات غير مجدية، نسمّيهم فقراء النصوص.

14