فقراء تونس الجدد ساخطون: لقمة العيش قبل الديمقراطية

الأحد 2015/02/01
رقعة الفقر تتسع في المجتمع التونسي مع تآكل الشرائح السفلى من الطبقة الوسطى

تونس – خيب المسار الذي انتهجته تونس خلال السنوات الماضية آمال التونسيين في الثورة التي قامت احتجاجا على تردي الأوضاع الاجتماعية. وبعد أربع سنوات على الثورة الثورة لا يتردد غالبية التونسيين في القول إن أوضاعهم المعيشية خلال نظام بن علي “هي أفضل بكثير” ممّا هي عليه حيث تعمّقت الفوارق بين شرائح المجتمع التونسي وتوسّعت رقعة الفقر لتشمل ربع سكان البلاد.

وسط سوق “الحفصية” بتونس العاصمة المخصص لبيع الألبسة المستعملة التي تجود بها البلدان الغربية الغنية على عدد من البلدان العربية والأفريقية يقف خليفة العيّاري أمام محلّه المتداعي شأنه شأن بقية محلات السوق وهو يرفع صوته الأجش من حين إلى آخر لجلب الزبائن الأشد منه فقرا مرددا “كل شيء بدينار يا زوالي، أي يا فقير”.

خليفة العياري، مدرس إعدادي في عقده الخامس يفتح محله على الساعة الثانية ظهرا بعد حصة التدريس وهو عيّنة مما بات يعرف في تونس بـ”الفقراء الجدد” الذين عصفت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد مند أربع سنوات بمقدرتهم الشرائية وعجز دخلهم الشهري عن تسديد تكاليف المعيشة التي اشتعلت أسعارها فاضطروا إلى امتهان مهن وضيعة لترقيع تدني الأجور وتوفير لقمة العيش.

يقول خليفة “أتقاضى مرتبا شهريا مبلغه 750 دينار، أي حوالي 500 دولار، ولي خمسة أطفال، ولا أملك مسكنا وأنا مضطر لتسديد نصف المرتب معلوم الكراء، كان الوضع قبل الثورة أفضل حيث كنت أكتفي بمرتبي، اليوم “العيشة صعبت” ولم أجد حلاّ سوى فتح محل لبيع الألبسة المستعملة وتشجيع زوجتي على العمل كمعينة منزلية في حي المنار، لست المدرّس الوحيد الذي اضطرّ إلى عمل ثان عدد من زملائي فتحوا مكتبات وآخرون فتحوا متاجر لبيع المواد الغذائية”.


فقراء جدد


تعكس حالة المدرّس خليفة العياري، الذي ينحدر من قبيلة أولاد عيار، أصيلة مدينة مكثر التابعة لمحافظة سليانة المحرومة في الشمال الغربي وتستحوذ القبيلة على أسوق بيع الملابس المستعملة في البلاد، “تآكل الطبقة الوسطى” في المجتمع التونسي وتراجع مقدرتها الشرائية لتنزلق شرائحها السفلى في دائرة الفقر وتؤشّر على أن تونس اجتاحتها ظاهرة اجتماعية جديدة تعرف بظاهرة “الفقراء الجدد”.

بروز "الفقراء الجدد" سببه عمق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها تونس خلال السنوات الأربع الماضية

وأظهرت دراسة اجتماعية ميدانية، أعدّها مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بالتعاون مع الجامعة التونسية، أن “رقعة الفقر توسّعت خلال السنوات الأربع الماضية بنسبة 30 بالمئة بعد أن تآكلت الشرائح السفلى من الطبقة الوسطى وفقدت موقعها الاجتماعي لتتدحرج إلى فئة الفقراء نتيجة التحولات الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية في ظل نسق تصاعدي مشط لارتفاع الأسعار مقابل سياسة تأجير شبه جامدة مما أدى إلى بروز ‘ظاهرة الفقراء الجدد’ بعد أن تدهورت المقدرة الشرائية لتلك الشرائح بشكل حاد”.

وتقول الدراسة التي شملت 5300 عينة موزعة على كامل أنحاء البلاد إن “الفقراء الجدد” يمثلون نسبة 30 بالمئة من العدد الجملي لفقراء تونس البالغ عددهم نحو مليوني فقير من جملة 10 ملايين هم عدد سكان تونس. وتعرّف الدراسة “الفقراء الجدد” بـ”صغار الموظفين بالإدارة والمدرسين بالمدارس الابتدائية والإعدادية والعمال والأجراء الذين لا تتجاوز مرتّباتهم وأجورهم الشهرية 700 دينار أي حوالي 500 دولار”.


مهنة ثانية


قادت نتائج الدراسة إلى أن 87 بالمئة من الفقراء الجدد “اضطروا إلى مهنة ثانية لا تتناسب ومكانتهم الاجتماعية مثل ممارسة تجارة المواد المهرّبة وبيع الخضار والمواد الغذائية والجزارة وبيع الألبسة ومنهم من يعمل كبائع متجول في الشوارع”، ليلتحق بزملاء محمد البوعزيزي أصيل مدينة سيدي بوزيد الذي أحرق نفسه في 17 ديسمبر 2010 وكان شرارة اندلاع الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011 .

30 بالمئة نسبة "الفقراء الجدد" من العدد الجملي لفقراء تونس

ويرجع أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية، طارق بالحاج، بروز “الفقراء الجدد” إلى “عمق التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها تونس خلال السنوات الأربع الماضية في ظل أزمة حادة مزّقت منظومة النسيج الاقتصادي والاجتماعي وهزّت المكانة الاجتماعية لعديد فئات المجتمع وفي مقدّمتها الشرائح السفلى من الطبقة الوسطى التي لم تتحمل تداعيات التحوّلات وعجزت عن مجابهة انفلات الأسعار ما أدى إلى تدهور حاد في مقدرتها الشرائية ومن ثمة انزلقت لتلتحق برقعة الفقر”.

وبحسب بيانات منظمة الدفاع عن المستهلك فقد تدهورت المقدرة الشرائية للتونسيين خلال السنوات الأربع الماضية بنسبة 40 بالمئة جرّاء ارتفاع مشطّ في أسعار المواد الاستهلاكية وخاصة الغذائية بنسبة 100 بالمئة وبلغت في بعض المواد 200 في المئة جراء انهيار منظومة الرقابة الإدارية و”سطوة” شبكات متخصصة في الاحتكار والتهريب والمضاربة وتحكّمها في مسالك التوزيع التي كانت تخضع لمنظومة من الإجراءات التعديلية والعقابية.


بؤس الثورة


بعد أربع سنوات من الثورة لا يتردد غالبية التونسيين في القول إن أوضاعهم المعيشية خلال نظام بن علي “هي أفضل بكثير” ممّا هي عليه الآن لافتين إلى أن “الثورة لم يتحقق من أهدافها شيء بل على العكس من ذلك عمّقت الفوارق الاجتماعية بعد أن ازداد الفقراء فقرا والأغنياء ثراء.

وقال 93 بالمئة من الذين شملتهم الدراسة إن وضعهم الاقتصادي والاجتماعي قبل الثورة كان أفضل بكثير مما هو عليه الآن فيما أكد 71 بالمئة من المستجوبين أن الوضع في تونس كان يمكن أن يكون أحسن لو لم تقم الثورة. وتؤكد مثل هذه المؤشرات أن غالبية التونسيين يعتبرون أنفسهم “ضحايا” لثورة قوّضت ومن الأساس أوضاعهم المعيشية وزجّت بتماسك المجتمع وبتضامنه في حالة من التفكك والفوارق الاجتماعية المجحفة.

المتابع لتاريخ الثورات الشعبية التي حدثت في تونس، منذ استقلالها (20 مارس 1956)، يجد أن "الخبزة"، (في كل دلالاتها الاجتماعية والاقتصادية) هي الدافع وراء ثورات التونسيين منذ أحداث انتفاضة الخبز سنة 1984 مرورا بثورة 2011 التي أسقطت نظام بن علي، وصولا إلى إسقاط حكومة الترويكا، وكل الاحتجاجات التي أعقبت ذلك، ولاتزال متواصلة في ظل غياب العدالة الاجتماعية.

وفي ظل تراجع أداء مؤسسات الدولة ودورها في الحفاظ على التوازنات الاجتماعية سواء من خلال نظام تعديل السوق أو سواء بحماية الفئات الهشة من شراسة الاقتصاد المتوحش عبر سياسات الترفيع في الأجور بدا “الفقراء الجدد” ضحية لمنظومة معقّدة من شبكات الاحتكار والمضاربة تقودها عصابات من الأثرياء الجدد.

ويرى الخبير في التنمية الاجتماعية عبدالمجيد البدوي أن “ظاهرة الفقراء الجدد” لا يمكن فهمها بمعزل عن تفكك البناء الاقتصادي والاجتماعي وهيمنة وتحكم عقلية الربح السهل من أجل الثراء السريع على عقلية الجهد والعمل، ملاحظا أن “ذلك التفكك وتلك الهيمنة أغرقت فئات واسعة من المجتمع في مستنقع الفقر وبالمقابل كانت الطريق الأسهل لثراء فئة محدودة”.

ويضيف البدوي “السنوات الأربع الماضية شلّت دور الدولة في المجتمع، كانت الدولة هي الحامية والراعية للحد الأدنى من التوازن بين مختلف الفئات من خلال سياسات اجتماعية تحمي من توسع رقعة الفقر، أما اليوم فدور الدولة الحامية والراعية للفئات الهشة قد انتفى وأصبحت تلك الفئات تحت رحمة سوق اقتصادية متوحشة تتحكم في شرايينها عصابات هي أقرب للمافيا منها للتجار”.


أثرياء الربح السهل


مقابل ظاهرة “الفقراء الجدد” قفزت خلال السنوات الأربع الماضية فئة محدودة من المجتمع التونسي إلى أعلى الهرم الاجتماعي لتكون ما يطلق عليهم التونسيون “الأثرياء الجدد” مستفيدين من “الربح السهل غير المشروع” الذي سرى في المجتمع بعد أن انهارت منظومة من القيم كانت تعلي من شأن “الكسب المشروع” المتأتي من الجهد والعمل.

ووفق بحث جامعي أعدته كلية العلوم الاقتصادية يستحوذ 10 بالمئة من التونسيين على 80 بالمئة من ثروات البلاد فيما يتقاسم 90 بالمئة من التونسيين فتات الـ20 بالمئة الباقية من الثروات الأمر الذي يؤكّد أن الفوارق الاجتماعية تعمّقت بين الفئات بشكل غير مسبوق في تاريخ تونس.

وقادت السنوات الأربع إلى مشهد اجتماعي مرئي تعصف به مظاهر الفقر المدقع ومظاهر الثراء الفاحش، إذ في الوقت الذي يعيش فيه 10 بالمئة من التونسيين على حوالي 300 دولار سنويا يترفه 20 بالمئة بما يتجاوز 120 ألف دولار، مما أفرز سلوكيات استهلاكية تظاهرية مستفزة بدءا بظهور طراز جديد من القصور في الأحياء الراقية إلى أحدث أنواع السيارات الفارهة في حين تنتشر على مشارف المدن الأحياء القصديرية والطينية.

10 بالمئة من التونسيين يستحوذون على 80 بالمئة من ثروات البلاد فيما يتقاسم 90 بالمئة الـ20 بالمئة الباقية من الثروات


لقمة العيش قبل الديمقراطية


على الرغم من أن المجتمع التونسي يعد مجتمعا مسيّسا بامتياز بما فيه الفئات الفقيرة والهشة حيث يستحوذ الشأن العام على اهتمامات الناس فإن تداعيات سنوات الثورة وما رافقها من اهتزاز للمكانة الاجتماعية للأفراد وإغراق الوعي العام في المشاغل المعيشية مزّقت علاقة غالبية التونسيين بالسياسة وبثقتهم في السياسيين حتى أنهم أصبحوا يكتفون بالمطالبة بلقمة العيش وأقل تحمسا للتجربة الديمقراطية.

ويقول الخبراء إن عزوف 5 ملايين من بين 8 ملايين ممن يحق لهم الانتخاب عن التصويت خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية الماضية التي شهدت اقتراع حوالي 3 ملايين ناخب هو مؤشر قوي على أن أكثرية التونسيين لا يضعون الديمقراطية في أعلى سلم أولويّاتهم.

وتؤكد الدراسة التي أعدها مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية رأي الخبراء حيث شدد 87 بالمئة من المستجوبين على أنهم يختزلون مطالبهم في “توفير لقمة العيش أولا” فيما قال 13 بالمئة فقط إنهم يطالبون بالديمقراطية. ورأى 76 بالمئة من المستجوبين أن الديمقراطية لا تعني شيئا في ظل تردي مستوى المعيشة فيما أجاب 24 بالمئة أن الديمقراطية تعني الكثير بالنسبة إليهم.

وتعكس مثل هذه المؤشرات أن الوعي الجماعي مقتنع بأن المسار الذي انتهجته تونس خلال السنوات الأربع الماضية خيب آمال التونسيين في الثورة التي قامت احتجاجا على تردي الأوضاع الاجتماعية لكنها عمقت عمليا الفوارق بين الفئات ووسعت رقعة الفقر لتشمل ربع السكان بل أفرزت “فقراء جددا” كانوا جزءا من الطبقة الوسطى التي كانت تمثل 30 بالمئة من المجتمع قبل أن تنخرها فوضى الثورة وعبثها. وخلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية الماضية بدا الناخبون يراهنون على صندوق الاقتراع لتصحيح المسار المضطرب للثورة إذ شدد 78 بالمئة من أهالي الجهات الداخلية المحرومة و81 بالمئة من سكان الأحياء الشعبية أنهم “صوتوا” من أجل “تحسين الأوضاع المعيشية”.

بدا أهالي تلك الجهات والأحياء أقل اهتماما بـ”الديمقراطية”، إذ قال 18 بالمئة فقط إنهم صوتوا من أجل “الديمقراطية” وفي المقابل شدد 68 بالمئة من سكان الجهات الساحلية والأحياء الراقية أنهم صوتوا من أجل “لقمة العيش”.

ويعلق الخبير عبدالمجيد البدوي على هذه المؤشرات قائلا “الوضع الاقتصادي والاجتماعي يبقى هو العنصر الأكثر تأثيرا في اتجاهات الرأي العام، إذ في الوقت الذي تضع فيه الفئات المترفّهة الديمقراطية في صدارة مطالبها تتمسك الفئات الفقيرة بأن تأمين العيش الكريم يبقى أولوية الأولويات”.

4