فقري وفق تحليل جدتي

الأربعاء 2017/07/19

"فقرك ذكر" هكذا كانت تقول لي جدّتي، ساعة غضبها من شقاوتي.. وهي تقسم، رحمها الله، بأني لم أفلح وفقري سيبقى… ولأني طفل صغير لم أكن أعرف لماذا صفة “الفقر” بمعنى النحس وسوء الطالع، تلتصق بـ”الذكر” وحده في الذهنية المصرية وربما العربية أيضا، دون أن يكون للأنثى نصيب!

في الريف، يكفي ديك واحد، بين مجموعة من الدجاج، ليكون ذكرا، فيما غالبية رفقائه تتمدَّدُ لاحقا كوليمة فخمة للباحثين عن عشاء استثنائي في صينية عزاء كانت هدية مجانية من السماء كما كان يصفُّق فرحا الأستاذ حمام زميلي في الابتدائية عند كل مصوت في القرية، معلنا وفاة هذا أو ذاك!

وهكذا.. يكفي ذكر نخل واحد، لتلقيح النخلات الباحثات عمَّا يمنح فيهن الخصوبة.. بينما يجري اجتثاث الذكور الأخرى تيمُّناً ببزوغ فسيلات جديدة تضخ مزيداً من البلح!

يكفي عجل واحد أو تيس أو خروف أقرن أملح، لتستمر الحياة في القطعان السائبة، لتزداد المأساة في تدخل الحكومة على الخطِّ بمنع ذبح الإناث لضمان زيادة النسل أمام الملايين من الأفواه الباحثة عن قطعة لحم بسعر معقول، لتنصب المجازر للذكور والذكور سيئي الحظ فقط!

وليت الأمر يتوقف عند هذا النحس، الذي يبدو أن الذكور وحدهم يدفعون ثمنه، من الحروب إلى حوادث السير مرورا بعشش الفراخ وحظائر الماشية، ولكن أن يدفع الأزواج “الذكور” أرواحهم على يد زوجاتهم “الإناث” فهذا هو المثير هذه الأيام، بعد أن نسينا أيام “الأكياس البلاستيك السودا” إياها.

في الآونة الأخيرة، تفشت ظاهرة النسوة اللواتي قتلن أزواجهن.. تعدَّدت الجرائم، وغالبية ضحاياها أصبحوا في ذمة أخبار مسليّة في صفحات الحوادث.

ما جعلني والعياذ بالله أتأكد أن ظاهرة الفقر “الذَكَر” كحالة مصرية بامتياز، لكن الحمد لله، خاب ظني، حيث قرأت أنه في إيطاليا وقبل سنوات، دفعت الخلافات الزوجية سيِّدة للانتحار هرباً من الشجار اليومي، وفي اليوم الذي قرَّرت فيه التخلص من حياتها، قفزت من النافذة، فسقطت على أحد المارة ليموت على الفور، بينما نجت هي إلا من كسورٍ ورضوضٍ بسيطة.

فوجئ الجميع بعدها أن القتيل كان يحمل باقة ورد، وتضاعفت المفاجأة عندما علموا أنه هو بشحمه ولحمه، الزوج المسكين، الذي عاد لأول مرة مبكراً من عمله، لمصالحة زوجته، فلقي مصرعه!

فمن يقول بعدها إن الفقر والنحس والبلاء الأزرق.. أنثى؟

24