فقر وتهميش وعنف.. فرنسا تشهد قطيعة بين الدولة ومواطنيها

مساكن ومدارس أقرب إلى ما هي عليه في دول العالم الثالث منه في دولة متطورة ترسم الفجوة الكبيرة بين الدولة الفرنسية وسكانها المهمشين في شمالها القريب من العاصمة باريس حتى جنوبها، حيث تطفو مشاكل اجتماعية حادة يعيشها الفرنسيون وتتفاقم مع احتدام تنافس الأحزاب السياسية على الانتخابات الرئاسية المقبلة.
الأربعاء 2017/03/08
سكان الضواحي لا صوت لهم

باريس - أزمات متتالية تشهدها “بلاد حقوق الإنسان” من فقر وتهميش وعنف وإرهاب يرى مراقبون أنها تستبطن قطيعة فجّة بين الدولة الفرنسية وضواحيها، والتي يقيم فيها عدد كبير من الجاليات المغاربية والأفريقية وغيرها، وتنذر بخريف مماثل لذاك الذي شهدته البلاد قبل 12 عاما، حين أشعلت حادثة مقتل الطفلين زياد بنة، وبونا تراوري في ضاحية “كليشي سو بوا” البلاد برمتها، وأجبرت باريس على إعلان حالة الطوارئ.

عشرة أيام متواصلة من أعمال الشغب في الضواحي الفرنسية كانت نتيجتها إحراق أكثر من 8 آلاف سيارة، وحرق المئات من المباني، وإيقاف 6 آلاف شخص.

خريف غاضب أشعل أحداثا تعتبر الأعنف في تاريخ الضواحي الفرنسية، قبل أن تتمكن السلطات من احتواء وضع شبيه ببركان مهدد بالثوران في أي لحظة، جراء استفحال البطالة والطائفية والعنف، في محصّلة لم تشهد تحسّنا يذكر 12 عاما إثر ذلك.

ومطلع فبراير الماضي، أعادت حادثة الاعتداء الجنسي على الشاب الفرنسي “ثيو”، من قبل عناصر الشرطة أثناء التحقق من هويته في ضاحية “أولناي سو بوا”، الجدل حول أزمة الضواحي الفرنسية إلى الواجهة، وأسفرت عن إيقاف 245 محتجا، وفق المقرّبين من وزير الداخلية الفرنسية، برونو لو رو.

جرائم وعنف بسبب التهميش والفقر

فما كشفته قضية “ثيو”، وفق مراقبين، هو عجز السلطات عن معالجة مشاكل الضواحي التي تعاني العزلة والتهميش والفقر، ما يجعلها معقل الجرائم والاقتصاد الموازي وغيرهما من الآفات الاجتماعية، ويورث سكّانها مشاعر “الفصل العنصري”، رغم الجهود المبذولة من قبل باريس.

قطيعة لافتة تفصل الدولة الفرنسية عن ضواحيها، وتشكل حصيلة تراكمات لأحداث منفصلة دفعت نحو الإحساس بالعزلة والإقصاء، قبل ظهور حالة من الضياع فالتململ، كان من البديهي أن تقود نحو الانفجار.

ويرى مهدي بيغاديرن، عضو المجلس البلدي لضاحية كليشي سو بوا بفرنسا، أن “الغضب المرتبط بالعنف الاجتماعي وسوء الأوضاع المعيشية لا يزال موجودا بالفعل حتى اليوم، وباعتبار ما ألاحظه يوميا، فإننا نرصد مثل هذا الأمر باستمرار”.

وضع مأساوي

وقدرت أستاذة العلوم السياسية في جامعة باريس 8، سيلفي تيسو، أن “الكثير من الأشياء تغيّرت منذ 2005، لكن ليس بالضرورة نحو الأفضل”. وأوضحت أن “العوامل الاجتماعية والاقتصادية تفاقمت، وهذا الأمر يشمل جميع أنحاء فرنسا، غير أنه يمس بشكل أعمق الأشخاص الذين يواجهون ظروفا معيشية سيئة، ويضاف إلى كل ذلك شكل جديد من أشكال العنصرية، ألا وهو الوصم، والذي يستهدف المسلمين أو الثقافة الإسلامية في فرنسا”.

وحسب تقرير قامت به منظمة “الإغاثة الكاثوليكية” الفرنسية الأهلية حول مشكلة التفاوت الاجتماعي في المنطقة الباريسية، فإن منطقة باريس التي يسكنها قرابة 12 مليون شخص، هي أهم مناطق فرنسا ثراء. وهي تساهم لوحدها في ضمان 31 في المئة من الثروات الفرنسية.

ومع ذلك فإن ظاهرة الفقر والتهميش قد تفاقمت في أقاليم المنطقة الأقل ثراء بينما تسعى الأقاليم الأكثر ثراء من غيرها إلى تركيز جهودها على تحسين أوضاع سكانها بمعزل عما يجري في الأقاليم المجاورة.

وبالنسبة إلى مدير البحوث بالمركز الفرنسي للأبحاث العلمية، لوران موكييلي، وهو أيضا مؤلف كتاب “عندما تشتعل الضواحي: عودة على أحداث نوفمبر 2005”، فإن “النخبة الباريسية لا تعير انتباها لحجم التباينات الاجتماعية والاقتصادية، فالسكان، شبابا أم مسنين، يتحدثون عن معضلة البطالة”.

وأوضح أن “البعض يمكن أن يقبل بالوضع، غير أن البعض الآخر سيسقط في الانحراف وتجارة المخدرات، وحين نسألهم لماذا؟ يجيبون بأن لا مكان لهم في النظام، وأنهم وجدوا أنفسهم خارجه، ما يعني أن هذا الأمر أضحى بديلا لهم، تماما كما كان يحدث قبل 30 عاما حين كان يتعين على الشخص الاعتماد على والده للحصول على وظيفة في مصنع”.

شعور طاغ يتملك سكان الضواحي بأن لا صوت لهم، لكن هل يكفي أن يجدوا آذانا صاغية دون الحصول على حلول عملية؟

تساؤل أجاب عنه مهدي بيغاديرن، والذي قال إنه “من الضروري أن يستعيد القانون العام مكانته، والتمديد في معاناتنا لا يكفي، بل نحن بانتظار أفعال”.

وضع ضواحي باريس شبيه ببركان مهدد بالثوران في أي لحظة جراء استفحال البطالة والفقر والعنف

بيغادرن أشار إلى أن المجالس البلدية الفرنسية تعمل منذ أشهر على تشكيل هيئات جديدة للديمقراطية التشاركية، أطلق عليها اسم “مجالس المواطنة”، في مبادرة ترمي إلى فسح المجال أمام السكان من أجل التوصل إلى حلول أكثر فاعلية لأزمة الضواحي.

ولفت إلى أن فكرة “مجالس المواطنة” مستوحاة من تقرير بعنوان “لن يحدث شيء من دوننا”، والذي أنجز في 2013، وشارك فيه محمد مشماش الرئيس السابق لـ “أي سي لو فو”، هذه الجمعية التي تأسست عقب أحداث 2005، لإيصال صوت الأحياء الفرنسية.

أما عن محصّلة تلك المجالس، فأعرب عن قناعته بأنه “حين تلعب المدن دورها، فإنه من الممكن إحداث تغيير حقيقي، وغير ذلك سيكون الأمر عبارة عن مهزلة”.

وبالنسبة إليه، فإن “هذه المجالس تمنح الأمل بعدم تكرار تجاهل مخاطر تفاقم الوضع، ومزيد إقصاء السكان من السياسة”، مشيرا إلى تشكيل خلية مراقبة لمجالس المواطنة، لرصد أي خلل أو خرق في عمل الهيئات، وتجميع المبادرات الإيجابية.

أعلى نسبة فقر في مرسيليا

ليست الأحياء المتاخمة للعاصمة الفرنسية وحدها من يعاني من هذا الوضع الاجتماعي المزري، فسكان أفقر أحياء مدينة مرسيليا ثاني أكبر مدينة بعد باريس والتي تعتبر عاصمة جنوبها، يشعرون بأنهم متروكون من دولتهم بسبب الحرمان المزمن من فرص العمل والخدمات العامة، من دون أي حلول في الأفق مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية.

سكان الضواحي الفرنسية يعيشون ظروفا معيشية سيئة

ففي الدائرة الثالثة من مرسيليا قرب المرفأ يلعب الأطفال وسط السيارات على ما تقول لور روفيرا وهي محاسبة تهتم كثيرا لهذا الحي الذي تريد أن يحظى بتجهيزات عامة وبوسائل نقل أكثر.

ويعيش أكثر من 50 بالمئة من سكان هذا الحي تحت خط الفقر وهي أعلى نسبة في البلاد. تنتشر على جنبات الشوارع المتداعية متاجر توفر اتصالات بأسعار بخسة. وفي الأفران يباع الخبز الفرنسي بنصف يورو أي أقل بكثير من أماكن أخرى.

ويقول أنيس شبلي وهو دهان وصل من باريس قبل 3 سنوات “وسط المدينة جميل جدا لكن لا شيء هنا”. ابنتاه لا تذهبان إلى حوض السباحة أو المكتبة لعدم توافرهما في الحي. وسيصوت رب العائلة هذا الذي يبحث عن عمل ثابت، خلال دورتي الانتخابات الرئاسية في 23 أبريل والسابع من مايو “لأن الأمر مهم لمستقبل ابنتي”. وهو يتمنى توافر فرص عمل والخدمات العامة إلا أنه ليست لديه أوهام “إنه مكان منسي لن تحصل تغييرات”.

وكان الحي المقسم إلى شطرين مع مرور طريق سريع في وسطه يكاد يلامس الأبنية التي اتشحت باللون الأسود، يؤوي لعقود العاملين على أرصفة المرفأ وعمال مصانع التبغ ومصنع الزيوت التي كانت تشتهر بها مدينة مرسيليا. إلا أن كل ذلك تلاشى تاركا مكانه للبطالة والبؤس. وتؤمن المخصصات الاجتماعية ربع مداخيل سكان هذا الحي البالغ عددهم 45 ألفا فيما يبلغ عدد سكان مرسيليا الإجمالي 850 ألف نسمة.

مؤسسة “ميزون دو لا سوليداريتيه” (بيت التضامن) لا تأمل هي أيضا بحصول تغيير، وهي تحاول تخفيف وطأة البؤس الاجتماعي. فالوافدون الجدد، وهم عائلات في وضع غير قانوني، يتكدسون في أكواخ يؤجرها أشخاص بأسعار عالية.

وتعتبر هذه المؤسسة التي تهتم بجمع المساعدات الاجتماعية أن الأمر الأكثر إلحاحا هو تحسين “ظروف العيش ووضع المساكن التي هي أقرب إلى ما هي عليه في دول العالم الثالث منه في دولة متطورة” على ما يوضح مديرها دافيد جام. وقد اهتم مؤخرا بملف امرأة بعدما انهار سقف شقتها على سرير طفلها.

مستقبل الشباب هم أساسي

مستقبل الشباب يبقى هما أساسيا في هذا الحي الذي صوت 70 بالمئة من ناخبيه لصالح الاشتراكي فرنسوا هولاند خلال الاقتراع الرئاسي في 2012.

واستفادت المؤسسات التربوية العامة من وسائل إضافية لكن الكثير من الأهالي والمدرسين يعتبرون أنها غير كافية وهم ينددون بنقص الصفوف والوسائل المتاحة.

وتقول المدرسة اميلي مارسيليو “قبل عشر سنوات كانت هناك فرص عمل للشباب ومساعدون تربويون. وكان لدي متسع من الوقت للاهتمام بتلاميذي. لكن في حال إلغاء 300 ألف وظيفة رسمية فإن الوضع سينهار”.

المدرسة التي يعمل فيها المدرس ميكايل بريغليانو جديدة إلا أنها مصنوعة من بيوت جاهزة وباتت تستقبل تلاميذ أكثر من طاقتها. وقد اضطرت إلى تحويل قاعة المعلوماتية إلى صف إضافي.

وتؤكد ربة العائلة آن فيستر “من أجل ضمان المستقبل ينبغي بناء المزيد من المدارس” وهي تناضل منذ سنوات ضمن تجمعات وجمعيات بعدما سئمت مثل آخرين كثر من الوعود التي لا تترجم ومن الخلل في عمل البلدية والزيارات الوزارية التي لا تتبعها أي خطوات عملية.

وتقول صوفيا (27 عاما) والعربي (31 عاما) “لا نحصل على أي مساعدة” وهما فتحا مشغلا لتصليح السيارات عند زاوية شارع محاط بمبان متداعية.

20