فقط كلام

الخميس 2016/07/14

الاستعراض أو “الفيس” في تونس دارج جدا، بل هو أسلوب حياة لدى كثيرين. و“الفيس” هو الاسم أما الفعل فهو “يفيس” ويطلق على ممارس هذا الفعل اسم “فياس” والجمع “فياسة”.

هذه الظاهرة لا تقترن بجنس معين أو طبقة اجتماعية معينة فجميعنا “فياسة” كل على طريقته.

الغريب أن الكلمة المستخدمة فرنسية، غير أنها تعني في لغتها الأصلية “الرذيلة”. قد يكون شعبنا الكريم نسي أو تناسى المعنى الأصلي للكلمة حتى أصبحت من القاموس اللغوي اليومي.

يتفق الجميع، علانية على الأقل، على أن الاستعراض والتفاخر أفعال بشرية تافهة؛ فقط للظُّهور بمظهر المُختلف، لكن هؤلاء المتفقين علانية يستعرض جزء منهم مادياته دون أن يدري أننا لسنا بحاجة إلى معرفة رصيده في البـنك أو إلى معرفة من أين يشتري ملابسه أو كم سعر سيارته.

فيما يتبجح الجزء الآخر بآرائه وضجيج أفكاره الغريبة حتى شبه بالطبل الذي يصدر أضخم الأصوات، شكله ضخم لكنه فارغ من الداخل، فلا تغرنك قوة الأصوات ولا هول الكبر.

تونس ليست استثناء طبعا، فمعظم العرب ابتلوا بآفة التباهي، و“الفيس” رديف في السعودية على سبيل المثال “للهياط” حتى قيل “هايط حتى أراك”، في استنساخ لمقولة سقراط الحكيم “تكلم حتى أراك” التي قالها حينما أتاه أحدهم متبخترا في زيه كالطاووس.

كانت قيمة الإنسان عند سقراط ليست في ما يملكه أو ما يلبسه، بل في ما يحسنه من قول يعبر عما لديه من قيم وأفكار.

لكن يبدو أن الجميع، على هذه الرقعة من الأرض التي تسمى المنطقة العربية، قرروا تنفيذ وصية سقراط، لكن على طريقتهم، لقد بدأوا في كلام لا ينتهي، جملة طويلة واحدة لا أول لها ولا آخر، الجميع يتكلمون في نفس الوقت، ولا أحد يسمع حتى يحكم أو يرى أو يقيم من يتكلَّم.

لو قدر لسقراط أن يعيش بعضا من أيامنا، لأعاد التفكير في عبارته التي كانت حكمة، وأدرك أنها أصبحت لعنة، مع طوفان الكلام الصارخ من كل مكان من الفضائيات والصحف والإذاعات ومواقع التواصل الاجتماعي؛ كلام… كلام… فقط كلام.

نحن هنا، عبثا نتصنع التحضر والتمدن والتفتح والرقي، فطباعنا تغلب تطبعنا، خاصة أن ظاهرة العنتريات، التي لا علاقة لها بذلك الشاب الأسود عنتر بن شداد، لا تقتصر فقط على الأفراد والجماعات، بل أصبحت تتجاوز ذلك إلى الدول.

ربما تكون الحكمة الأكثر بلاغة الآن التي تنطبق علينا هي “اصمتوا رجاء.. كفوا عن الكذب”.

24