فقهاء إيران يجيزون التلقيح الاصطناعي بشرط الزواج المؤقت

يعاني المجتمع الإيراني من خطر التهرم بسبب ارتفاع حالات الطلاق وعزوف الشباب عن الزواج، إضافة إلى ارتفاع ظاهرة العقم، وهي عوامل تهدد الاقتصاد الذي مازال يعاني من تبعات العقوبات الغربية التي طالته لسنوات عديدة. البعض من الأزواج الذين يعانون من العقم أقبلوا على التخصيب لإنجاب طفل أنبوب رغم ما يواجهونه من عراقيل اجتماعية محافظة.
الأربعاء 2016/08/17
مختبرات متطورة في بلد محافظ

طهران - تزداد في إيران حالات العقم، دافعة الكثير من الأزواج إلى عمليات التخصيب الاصطناعي التي مازالت لا تلقى قبولا في المجتمع الإيراني المحافظ.

وقد سجل في السنوات الماضية ارتفاع كبير في نسبة العقم في هذا البلد، بحسب الخبراء، في ظاهرة يفسرونها بأسباب عدة أبرزها التلوث الجوي وتردي جودة الغذاء.

ينتظر محمد بكل صبر في أحد أروقة مستشفى ابن سيناء الخاص في طهران زوجته التي تخضع لتخصيب لإنجاب طفل بعد سنوات من الزواج دون إنجاب، وهي ليست وحدها التي بادرت بهذا الاختيار فكل يوم يزداد عدد الأزواج القادمين إلى هذا المستشفى للحصول على فرصة إنجاب طفل أنبوب، متحدين التابوهات التي تحرم الإنجاب بطريقة اصطناعية.

وبحسب الخبراء، يرجع السبب في هذه الظاهرة بشكل أساسي إلى التلوث الجوي وخصوصا في طهران، حيث يبلغ مؤشر التلوث 200، فيما المستوى المقبول بحسب منظمة الصحة العالمية ينبغي ألا يزيد عن 50.

وإضافة إلى التلوث الناجم عن المصانع، تساهم في زيادة حالات العقم عوامل أخرى منها الضعف في وسائل تنظيف المياه وتردي نوعية الغذاء.

ويرى الخبراء أن زواج الأقارب قد يكون سببا وراء انتشار العقم مدى الحياة، غير أن هذه الفرضية أثبتت فشلها بسبب ما أكده باحثون آخرون بأن معدل الزواج بين الأقارب في إيران هو أقل بمعدل 25 بالمئة مما هو عليه الحال في معظم بلدان الشرق الأوسط، في حين أن معدل الخصوبة في العراق يبلغ أربعة أطفال للأسرة الواحدة، وهو أكثر من ضعف المعدل الإيراني.

وثمة سبب أكثر احتمالا وراء المعدل المرتفع جدا للعقم في إيران يرجع إلى انتشار الأمراض الجنسية المعدية، ولا سيما مرض بكتيريا الكلاميديا الذي يكثر في البلدان التي تنخفض فيها مستويات نظام الصحة العامة. وعلى الرغم مما يبدو من تناقض في حالة إيران والتي تطرح نفسها بوصفها الوصي على التقاليد الاجتماعية ضد الانحطاط الاجتماعي الغربي، فإن الإحصائيات الرسمية للحكومة الإيرانية تدعم هذا الاستنتاج إلى حد كبير.

ففي دراسة علمية أعدها فريق من الباحثين الإيرانيين عام 2013 تحت عنوان “آثار التهاب الكلاميديا على الخصوبة”، لاحظ الباحثون الإيرانيون انتشار المرض المذكور بمعدل 12.6 بالمئة لدى النساء في طهران، فيما أظهرت دراسة أخرى العدوى بمعدل 21.25 بالمئة لدى النساء اللائي يراجعن مستشفى الشهيد بهشتي في اصفهان.
العقم أحد أسباب انهيار أسر إيرانية محافظة

وتشير بعض الاستنتاجات إلى أن إيران تحتل النسبة الأعلى في العالم لحالات العقم مدى الحياة لأنها تمتلك أعلى معدل في العالم لانتشار الأمراض الجنسية المعدية. وكانت السلطات الإيرانية قد أطلقت تحذيرات مخيفة بشأن انتشار الأوبئة الجنسية حيث نقلت منظمة مفتاح الإيرانية في وقت متأخر من سنة 2013 عن وزير الصحة الإيراني حسن هاشمي قوله في مناسبة اليوم العالمي لمرض الإيدز إن إيران تواجه ازديادا مأساويا في الحالات المشخصة لمرض فقدان المناعة المكتسبة (إيدز)، حيث لاحظ أن بلاده سجلت خلال الإحدى عشرة سنة الماضية ازديادا بمعدل تسعة أضعاف في حالات الإيدز. وحذر الوزير الإيراني من أن غياب التثقيف الجنسي وانتشار المحرمات الاجتماعية بشأن الأمراض المنتقلة جنسيا في المجتمع الإيراني يعدان من العوامل في هذا المنحى الخطير.

إصرار رغم العراقيل

ورغم تمسك المجتمع الإيراني بالتقاليد المحافظة والتي ترى أن الإنجاب من غير الصلب مرفوض، إلا أن الحكومة الإيرانية تشجع ظاهرة التخصيب وتملك مصحات متقدمة في هذا الاختصاص.

ويقول محمد البالغ من العمر 45 عاما إن أكثر ما يقلقه هو أن تعرف عائلته أنه وزوجته لجآ إلى هذا الحل. ويضيف طالبا عدم الكشف عن اسمه كاملا “بعض الأشخاص يرفضون التلقيح بسائل منوي من رجل آخر، لأن ذلك يعني في نظرهم أن الطفل ليس ابن العائلة ولذا لا يورثونه”. لكن محمد لن يستخدم سائلا منويا من رجل آخر، بل منه هو نفسه، مع بويضة من امرأة أخرى يلقح بها رحم زوجته، وهو ما قد لا تصدقه العائلة كما يقول.

وهذا الخوف الذي يعتريه لا يخلو من المبررات، فقد سبق أن عاش أحد أقربائه محنة مع هذا الأمر، حين عومل على أنه غريب عن العائلة وواجه مشكلات في الإرث.

وأفتى رجال الدين الإيرانيون بجواز عمليات التخصيب الاصطناعي شرط ألا يستخدم فيها السائل المنوي لرجل آخر غير الزوج. أما استخدام بويضة لامرأة أخرى فهو يلقى قبولا أوسع شرط أن يعقد الرجل زواجا مؤقتا على مانحة البويضة.

ويمكن لمستشفيات إيران وعياداتها أن تجري أربعين ألف عملية تخصيب اصطناعي سنويا، لكن هذا لا يغطي الحاجة في بلد تزداد فيه حالات العقم.

بويضة امراة أخرى تشترط الزواج ولو مؤقتا

ويعمل في إيران حاليا ستون مركزا متخصصا في علاج العقم، نصفها مراكز خاصة. وتصل كلفة العملية في المراكز الحكومية إلى سبعين مليون ريال (ألفا دولار)، أي ما يعادل راتب خمسة أشهر لموظف عادي. وفي بعض الحالات لا تنجح العملية فيحتاج الزوجان إلى تكرارها. وسجلت عيادة ابن سينا الحكومية ارتفاعا بنسبة 15 بالمئة في عدد زبائنها سنويا.

عند مدخل المركز، تروي باريسا البالغة من العمر 29 عاما أنها تحاول الإنجاب منذ خمس سنوات، ولذا قصدت هذا المكان. وتقول إنه كان يتعين عليها أولا أن تقنع زوجها المتردد والمحرج كونه عقيما. وقد نجحت عملية التخصيب الأولى التي خضعت لها، لكن الجنين مات بعد ذلك.

وهذه المرة، لقحها الأطباء بثلاث بويضات معا، وتقول ضاحكة “سأكون سعيدة إن رزقت بثلاثة أطفال معا”، قبل أن تغلبها دموعها وتضيف “لقد عشت ظروفا صعبة وسأرضى بما يقسمه لي الله”.

ثالث سبب للطلاق

تتحدث تقارير إعلامية عن أن العقم يعدّ السبب الثالث في ارتفاع حالات الطلاق في المجتمع الإيراني المحافظ، حيث تتهم المرأة مباشرة في هذه الحالة بعدم الإنجاب وهذا سبب كاف لتطليقها.

وتقول شیرین احمدنیا رئيس الطب والصحة في إيران إن “مسألة العقم أدت إلى ضغوط هائلة على النساء في المنزل وتسببت في توتر الأوضاع بين الزوج والزوجة مما يؤدي في الأخير إلى الطلاق”.

وتؤكد أن “العقم هو العامل الثالث في تزايد حالات الطلاق في البلاد”، محذرة من هذه الحالة التي وصفتها بـ”الآفة التي بدأت تأكل المجتمع”.

ودعت المراكز الصحية المعنية بعلاج العقم إلى ضرورة بذل الجهود الكبيرة من أجل الحفاظ على كيان الأسر التي بدأت تتفكك بسبب هذه الظاهرة الخطيرة.

بويضة امراة أخرى تشترط الزواج ولو مؤقتا

وأشارت إلى أن الوثائق تؤكد أن في العشر السنين الماضية تمكن مليونا متزوج من أصل 18 مليونا من تشكيل عائلة والإنجاب، فيما كشفت الوثائق ذاتها أن “ثلاثة ملايين لم يتمكنوا من الإنجاب بسبب العقم الحاصل سواء من الزوج أو الزوجة”.

ولفتت إلى أن هناك عدة عوامل ساهمت في عدم معالجة حالات العقم، منها ارتفاع تكلفة العمليات الجراحية وغلاء الدواء وعدم وجود رعاية صحية توفرها الدولة للمصاب بمرض العقم.

وتشير الإحصائيات الجديدة إلى ارتفاع نسبة الطلاق حيث يقع 19 طلاقا كل ساعة، وإلى أن نصف الزيجات تنتهي خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج.

وقال رئيس دائرة النفوس حميد درخشان نيا “ارتفع عدد حالات الطلاق خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من العام الحالي بنسبة 2.2 بالمئة، مقارنة مع العام الماضي، فيما انخفضت معدلات الزواج بنسبة 2.2 بالمئة”.

وأوضح درخشان نيا أن الإحصائية تشير إلى أن المعدل العمري للطلاق لدى الرجال 35 عاما، والنساء 30 عاما، مشيرا إلى حدوث 55 ألفا و718 حالة طلاق خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من 2016، وتسجيل 234 ألفا و982 حالة زواج رسمي، خلال ذات الفترة.

20