فقهاء الإسلام بين زوال الخلافة العثمانية وقيام الخلافة الداعشية

الاثنين 2015/03/02
الخلافة ليست قضية دينية ولكنها قضية مدنية

قبل تسعين عاما أصدر علي عبدالرازق كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، فتصدى له جميع من لصقت بثيابهم رائحة الفقه، وكان على رأس الذين هاجموه وجردوه من ألقابه العلمية الأزهر، الذي يصارع من أجل استعادة دوره في زحمة اختلاط الدين بالسياسة، منذ ثورة الضباط إلى ثورة 25 يوليو.

كان الهجوم على الكتاب وصاحبه دينا؛ ولأن الخلافة سقطت في الأستانة فقد أصبح الرد على عبدالرازق نوعا من الجهاد اللغوي تعويضا عن الخسارة، فقد تم تجريد عبدالرازق من ألقابه العلمية وقطع رزقه، وهو أسلوب يلجأ إليه المستبدون حين تضيق بهم الحيل، قبل أن يتم في ما بعد إنصافه. بعد هذه المدة وبسبب التحولات التي تحصل أعيد للكتاب موقعه في الفكر الإسلامي الحديث، وبدأ كثيرون من داخل المؤسسة الدينية الرسمية في مصر، بما في ذلك الأزهر، يطالب بإعادة طبع الكتاب. ونقطة الإحالة هنا أن الثقافة التقليدية التي رفضت الكتاب قبل تسعين عاما، هي نفسها التي تريد اليوم استعادته، لكشف ما يعتري مقولة الخلافة من خلاف.

فتح عبدالرازق بكتابه بابا في مناقشة موضوع الخلافة لم يفتح من قبل، ولكن الفقهاء الجامدين في تلك الفترة أصروا على إغلاقه، بدوافع سياسية ملفقة بالفقه لا بمبررات فقهية معقولة. فالرجل لم يقل أكثر من أن الخلافة قضية مدنية؛ غير أن كلمة “مدنية” في تلك الفترة كانت مخيفة، وربما كانت قريبة من كلمة الكفر، لأنها كانت مشربة برواسب التاريخ الأوروبي الذي بدأ المسلمون يطّلعون عليه مع نهاية القرن التاسع عشر، فعلموا منه أن المدنية تعارض الدين، لأن الأوروبيين فصلوا بين السلطتين الدينية والمدنية، رغم أن محمد عبده كان أول من استعمل المفردة في كتابه الذي رد به على إرنست رينان، وأعطى للكلمة فيه معنى قريبا من كلمة العمران الخلدونية.

هناك رقمان يستحقان الوقوف عندهما. الأول هو 1924، السنة التي أعلن فيها نهاية الخلافة في عاصمتها بتركيا، والثاني هو 2014، السنة التي أعلن فيها قيام خلافة من الموصل. لكن الأزمة الفقهية الأولى التي ظهرت قبل 90 عاما، من خلال الهجوم على عبدالرازق، تعود لتشكل عنصر رخاء في التجارة الفقهية التي يقوم بها “داعش”. بالأمس تباكى الفقهاء على زوال الخلافة العثمانية، واليوم يتباكون على قيام الخلافة الداعشية، لكنهم يحتفظون بنفس العدة الفقهية التي ساجلوا بها عبدالرازق، والتي يساجلهم بها اليوم تنظيم “داعش”.

اتفق الفقهاء والمؤرخون على توصيفات لأشكال الخلافة المتعاقبة دون إدراك لما تستبطنه؛ فقد وافقوا على منح تلك الأشكال ألقابا ترتبط بالانتماء القبلي أو العائلي أو بالتحزب، فأطلقوا عليها تسميات الخلافة الأموية والخلافة العباسية والخلافة العثمانية، واتفقوا على تسميات للخلافات المناوئة مثل الفاطمية، مما يعني أنها كانت خلافة عائلية أو تنظيمية مرتبطة بحلقة معينة أو مركز نفوذ. وبقي السؤال حول تمثيلية هذه الأشكال للإسلام معلقا، وربما كان هذا السؤال هو ما جعل عبدالحميد بن باديس يبدي رضاه بسقوط الخلافة العثمانية.

لم يتجرأ فقهاء تلك الفترة على إعادة النظر في “رسوم” الفقه التي نحتها الفقهاء السابقون عليهم، فبقيت الخلافة محلقة بين غالب مطاع، ومغلوب لا رأي له، أي أنهم حافظوا على نفس التقاليد السابقة التي طبقت عمليا. وحاصل المسألة أن ذلك التراث وضع قسمة ضيزى، إذ جعل كفّة القوة هي الراجحة، وذلك على حسب كفة الدين، وبات على هذا الأخير أن يتبع القوة متى ما أخذت بالزمام، بتسويغ شرعي من أهل الفقه أنفسهم. فالخلافة لم تنتقل من الأمويين إلى العباسيين ومن هؤلاء إلى العثمانيين اعتمادا على الدين بل على السيف، والسيف والجغرافيا هما اللذان ساعدا الناصر لدين الله على إقامة خلافته في قرطبة، وهما اللذان مكنا للفاطميين في القيروان ومصر.

لم يدرك الفقهاء أنهم أسهموا بتراثهم المتراكم، حول حكم الضرورة وخلافة القهر، في فتح المجال أمام أيّ جماعة قادرة على حمل السلاح لإعلان الخلافة باسم الدين، من أيّ مكان، والبدء في جمع البيعات الشرعية من الأطراف، مثلما تفعل “داعش” اليوم. شتت الفقهاء بذلك التراث المشروعيات السياسية في الفضاء العام، وتركوها لمن يتطوع لحملها أو التقاطها إذا توفرت له القوة والنفوذ.

من هنا تأتي المفارقة حول كتاب مغضوب عليه قبل 90 عاما، يصبح الخشبة التي يتمسك بها من طاولته أهوال التقاتل باسم شرعية الخلافة. كتب عبدالرازق كتابه ردا عليهم، ويريدونه ردا منهم اليوم على المتطرفين.

13