"فقه الأقليات" يجعل كل مسلمي أوروبا في نظر اليمين "طابورا خامسا"

التنظيمات الإرهابية تزرع الرعب في كل مكان يوجد فيه مسلمون، والأوساط السياسية والفكرية والإعلامية في أوروبا،تطرح تساؤلات عميقة عن مستقبل المسلمين في البلدان الأوروبية.
الاثنين 2018/04/23
الطريق ليست سالكة بسهولة

نجتاز اليوم حقبة صعبة في علاقتنا مع الغرب، الغرب الثقافي والغرب السياسي في وقت واحد، نتيجة التحولات الكبرى التي عصفت وتعصف بالعالم العربي والإسلامي منذ فترة طويلة، وبالأخص منذ مرحلة ما سمي بالربيع العربي، حيث ظهرت أعداد كبيرة من الجماعات الإسلامية المتطرفة التي زرعت الرعب في كل مكان يوجد به مسلمون، نتيجة للخوف من احتمال تسلل أفكار تلك الجماعات إلى صفوف المسلمين المقيمين في البلدان الأوروبية.

وهكذا أصبح المسلمون في كل بلد أوروبي متهمين بحكم الهوية الدينية، بل إن أحزاب اليمين المتطرف أصبحت تنعتهم بـ”الطابور الخامس” الذي يمكن أن يتحرك في أي وقت تجاوبا مع دعاوى الجماعات الإسلامية المتشددة.

 

علاقة العالمين العربي والإسلامي مع أوروبا تزداد توترا وتباعدا بحكم الأيديولوجية الإسلامية التي ما تنفك تزرع في أذهان مسلمي أوروبا فكرة مفادها أن انتماءهم الديني أهم وأبقى من انتمائهم الوطني، وهو ما يزيد الأمور تعقيدا وصعوبة على اعتبار أن تجاوز هذه المعضلة المعروفة بـ”فقه الأقليات” يتطلب وضع استراتيجيات وسن قوانين من شأنها أن تحدث قطيعة معرفية في تشكل مفهوم المواطنة كما هو الحال لدى الجماعات الدينية غير المسلمة في المجتمعات الأوروبية.

وما زاد الطين بلة أن أفرادا من أبناء المسلمين في عدد من الدول الأوروبية انخرطوا مع تلك الجماعات الإرهابية، ونفذوا عمليات إجرامية في تلك البلدان التي يعيشون بين ظهراني أهلها، وبعضهم التحق بتنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا والعراق خلال السنوات الأربع الماضية، مقدمين البراهين على أنهم يشعرون بالقرب من أفكار ذلك التنظيم الوحشي، أكثر مما يشعرون بالقرب من البلد الذي عاشوا فيه ونشؤوا في وسطه الثقافي.

طرحت هذه الظواهر الجديدة، التي فاجأت الأوساط السياسية والفكرية والإعلامية في أوروبا، تساؤلات عميقة عن موقع ومستقبل المسلمين في البلدان الأوروبية، ومآل السياسات التقليدية إزاء قضية الهجرة، التي بدأ التفكير في تغييرها في ضوء الوقائع الجديدة التي صارت مرتبطة أكثر فأكثر بموضوع الهجرة والمهاجرين.

 ويشهد بلد كفرنسا في الوقت الراهن نقاشا قويا بخصوص هذا الموضوع الذي يقسم الساحة الفرنسية، في إطار الجدل الذي يرافق مشروع القانون الجديد حول اللجوء والهجرة، حيث يدافع اليمين عن إجراءات أكثر تشددا في التعامل مع قضية الهجرة مستقبلا.

وكل ذلك الجدل، سواء في فرنسا أو في ألمانيا أو أي بلد أوروبي آخر، له علاقة وثيقة بالتحولات التي شهدها العالم العربي والإسلامي نتيجة ظهور الجماعات المتطرفة، وبالخوف من المسلمين في أوروبا.

ويطرح الأوروبيون تساؤلات حول مصدر بروز التطرف والعنف وسط المسلمين الشباب المقيمين في ما بينهم، وكيفية التصدي لهذه الظاهرة، وطبيعة السياسات التي يتعين الإقدام عليها.

وبعض هذه التساؤلات يخص الأوروبيين دون غيرهم، لكن بعضها الآخر يهم العرب والمسلمين، وفي طليعتهم الحكومات والعلماء والمفكرون، بالنظر إلى أن المسلمين الذين يعيشون في أوروبا يشكلون جسرا رابطا بيننا وبين الأوروبيين، ومن هذا المنطلق من الطبيعي أن تكون القضايا المشتركة عديدة.

ومهما اختلفت وتعددت التساؤلات والمداخل والمقاربات، فإن هناك سؤالا على قدر كبير من الأهمية يجب التركيز عليه وأخذه على محمل الجد، وهو السؤال المتعلق بما جرت العادة على تسميته “فقه الأقليات”.

لا نعرف بالتحديد متى تم استخدام هذا المصطلح لأول مرة وأين، ولكننا نعتقد أنه استخدم كترجمة للعبارة الفرنسية والإنكليزية التي ظهرت في القرن التاسع عشر لوصف اليهود والنصارى الذين يعيشون في المجتمعات العربية.

ونحن نعرف أن ذلك المصطلح ظهر في سياق الموجة الاستعمارية التي رامت تفكيك العالم العربي من خلال التركيز على الأقليات والطوائف والجماعات الكيانية ما تحت الدولة، ومحاولة خلق حالة من النزاع والتنافر بين تلك الأقليات والجماعة العربية، ولذلك فإن المصطلح ارتبط منذ البداية بإيحاءات سلبية، طابعها العام جعل الأقلية حربا ضد الانسجام الاجتماعي وسلطة الدولة المركزية، ورديفا للبلدان الأوروبية، بحيث أصبحت الأقليات تشكل نوعا من الامتداد الثقافي والسياسي لأوروبا، أكثر مما هي جزء عضوي من بنية المجتمع التي هي فيه.

وليس من المستبعد أن تلك الخلفية التاريخية والسياسية شكلت مرجعية مستبطنة في صياغة مفهوم “فقه الأقليات” كما ظهر في البداية.

فقد تم حشو ذلك المفهوم بإيحاءات دينية وثقافية تجعل المسلم المقيم في أوروبا امتدادا دينيا وسياسيا وحتى جغرافيا للعالم الإسلامي، بحيث يظل يشعر على الدوام بأنه لا يمكن أن يكون جزءا من المجتمع الأوروبي الغريب عنه دينيا وثقافيا وحضاريا. ورغم ما في ذلك المفهوم من تناقضات، إلا أنه تم ترويجه بشكل كبير حتى صار بابا ثابتا من أبواب الفقه الإسلامي الحديث.

مفهوم فقه الأقليات ولد مشحونا بمضمون سياسي، يرتكز على فكرة  أن المسلم يجب أن يدين لمشروع ديني بالدرجة الأولى

إننا نجد أن الخطاب القرآني يتحدث عن الأرض والعالم لا عن نطاق ضيق أو مساحة جغرافية محدودة، والحديث النبوي الذي يقول “جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا” يجعل العالم كله قابلا للعيش فيه ما لم يكن هناك ما يكره المرء على تغيير دينه، مسلما كان أم نصرانيا أم يهوديا. والآية القرآنية التي تقول “ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها” دلالة صريحة على أن سكنى العالم ليس الدين فيها شرطا، بل الشرط العدالة وانتفاء الظلم، وهو السياق نفسه الذي ذكرت فيه الآية.

بيد أن صياغة مفهوم فقه الأقليات جاءت على عكس هذه الفلسفة، بل في تعارض كامل مع مختلف القيم الدينية التي تدافع عن القرابة الإنسانية والجوار والمساكنة والتعارف.

فالمفهوم يتضمن تصورا انقساميا للعالم إلى مؤمنين وكافرين، ويعلي من مبدأ المفاصلة والانعزالية والهجر، إذ هو يعتبر المسلمين أقلية دائمة في المجتمعات غير المسلمة مهما كان تجذرهم فيه أو اندماجهم أو مساهمتهم في بنائه.

ومن شأن هذا التصور أن يدفع المسلم في البلد الأوروبي إلى الاصطفاف ضد مجتمعه، ويزرع في روحه الشعور بالغربة عن محيطه، ويصور له سكان الجوار باعتبارهم خصوما أو أعداء لا مواطنين.

ومن أكثر المفارقات في مصطلح فقه الأقليات أنه لا يرى مشكلة في مطالبة المسلم الأوروبي بحقوق المواطنة، لكنه في الوقت نفسه يشجعه على الانفصال من منطلقات دينية، هي منطلقات خاصة في النهاية، في مجتمعات حسمت علاقتها بسلطة الديني على السياسي، وحسمت في الكثير منها في سلطة السياسي على الديني.

ولعل فقه الأقليات يوجد اليوم في أزمة، قد تكون بعض مظاهرها هذا العنف الذي يستشري بين بعض الشبان المسلمين في البلدان الأوروبية. فالتنظيمات الإرهابية تستغل اليوم تلك الإيحاءات السلبية التي خلفها فقه الأقليات في نفوس المسلمين، وتحاول أن تؤسس عليها مواقف نظرية قوامها العداء للغرب “الكافر”.

ذلك أن مفهوم فقه الأقليات ولد مشحونا بمضمون سياسي، يرتكز على فكرة مفادها أن المسلم يجب أن يدين لمشروع ديني بالدرجة الأولى. وليس غريبا أن يخدم فقه الأقليات تيارات الإسلام السياسي، الذي ساهم في تغذيته ورفده بالأفكار والمفاهيم السياسية، وانخرط معها في المشروع ـ ربما بنية حسنةـ عدد من العلماء والفقهاء الذين كرسوا المفهوم، دون أن يدركوا التناقضات الكامنة فيه. لقد أصبحت اليوم مطروحة بحدة قضية إعادة النظر في هذا المفهوم المتجاوز وتطويره بحيث يتجاوب مع التطور الحالي في واقع المسلمين في أوروبا.

فالمسلمون اليوم لم يعودوا أقلية بالمعنى السياسي، بل أصبحوا جزءا منه ومشاركين فيه، ونشأ جيل جديد من المسلمين الأوروبيين لا يعرفون سوى ثقافة البلد الذي ولدوا فيه، وهم لا يشعرون بأنهم أبناء بلد آخر غير ذلك الذي نشأوا فيه ودرسوا في مدارسه، من غير الممكن أن نستمر في استهلاك مفهوم غير واقعي يدفع هؤلاء إلى الانسلاخ عن بلدهم. وعلى علماء المسلمين أن يستفيدوا من التجربة اليهودية في هذا المجال.

فاليهود الأوروبيون لا يعتبرون أنفسهم غرباء، بل هم جزء من المجتمعات التي يعيشون فيها، وهم مؤثرون في تلك المجتمعات بشكل طبيعي وسلس دون تعقيد.

قد يرى بعضهم أن هذا التشبيه غير جائز، من منطلق أن الديانة اليهودية ليس فيها مشروع للحكم، أو أن الجانب السياسي فيها غائب، واليهودي مرتبط بالمعبد لا بدولة أو نظام، ولكن مثل هذا القول غير سليم، لأنه ينطلق من أن الإسلام مشروع للحكم والسلطة، إلا أن هذا التصور هو نفسه تصور الإسلام السياسي، وهو ما يستدعي إحداث القطيعة مع مفهوم فقه الأقليات.

13