فقه الالتباس

الأربعاء 2014/05/21

تعود بي الذاكرة إلى فيلم “راين مان” وبالضبط إلى تلك القبلة التي لم يدرك معناها البطل (داستن هوفمان)، كانت شيئا غريبا لا دخل فيه لأحاسيس اللذة والألم، ولا العذوبة والقرف، كانت قبلة بنكهة الطعام والشراب، صداها بقدر ما حملته من ملوحة ولزوجة، كانت قبلة بلا ذاكرة ولا أفق، غير إنسانية ولا حيوانية في النهاية.

وللقبل الملتبسة، والسلامات الغامضة، والابتسامات العصية على التفسير، والدموع المسفوحة في البين بين، والكلام المحمول على أكثر من سند، سجلات تسكن الوجدان التخييلي للفنون والآداب، تلتصق دوما بشخصيات وكلمات وتخطيطات وألوان… قد نفهمها، لكن تتجلى لنا كتلها وظلالها على الدوام رهينة لبرزخ رمادي.

والشيء الأكيد عزيزي القارئ أن من علامات القوة الخطابية الوضوح، هو دليل على امتلاك الفكرة وامتطاء صهوتها، فالمتحدث لا يتلعثم وهو ممتلئ بالمعنى، قد يقوله بجرعات، فيها السطحي والعميق، لكنه يقوله سوادا على بياض، وينتهي الأمر… لذا قد نقرأ تحليلات نقدية وفكرية وسياسية على قدر كبير من التعقيد إنما بسلاسة ويسر، ونحس أن الموضوع على جدته وتعقيده قابل للفهم والتداول، وقد لا نستوعب كلاما يسيرا فقط لأن معناه لاشيء ولأن كلماته تنقل فراغا.

في مطلع التسعينات من القرن الماضي كتب جوستاين غاردر رواية “عالم صوفي”، ليعلم الأطفال الفلسفة، كان نصا استثنائيا في مسار الرواية التعليمية، اختصرت تاريخ الأفكار الفلسفية وسير أعمدة الفكر الإنساني عبر حبكة حكائية مسلية، وسائغة للصغار والكبار معا، صحيح أنها انطوت على اختزال كبير، لكنها لم تحرف الأفكار الواضحة، ولم تزغ بالحقائق الثابتة، لقد حولت “الالتباس" إلى مجال شبيه في وضوحه برقعة شطرنج. أستحضر هذه الرواية جنبا إلى جنب مع عبارة فريدة لإرنست همنغواي في روايته: “باريس فرحة” يقول فيها: “أجدني دوما أبحث عن عبارة حية وحقيقية تقول كل شيء”، كان همنغواي منحازا دوما إلى تلك البلاغة السرية، التي تلفظ المساحيق، بل كان زاهدا في الكثير من طاقة المجاز، كانت معانيه ملتبسة لكنها بدون ظاهر عنيف، كان واضحا، في تعابيره عن تلك الحياة الغامضة.

أستدعي المثالين فقط لأخيل للذهن تلك المفارقة الأساسية في الإبداع حيث يسكن الالتباس الشهي عمق التبيين السلس. فالمعنى الواضح شيء عادي وعامي معا، ولا شأن له، كنت دوما معجبا بمقولة فقهية قديمة مفادها: “رشح الواضحات من المفضحات”، فالمعنى الواضح فضيحة حق، وإنما الإبداع في الحيرة المدوخة، في الكلمة العادية التي يشعلها السياق، ويحولها إلى جمرة أو إلى قطعة ثلج، في الحركة البريئة والتلقائية التي تلتقط من رحابة المنبت تعقيدات لا تنتهي.


كاتب من المغرب

15