فقه الدولة.. تفريق السياسة عن الدين

فقه الدولة يقتضي ألا يكون للدولة فقه ديني، وأن يُستبدلَ به قانون مدني يجعل الدولة جهازا محايدا يقف على مسافة واحدة من أصحاب الأديان.
الثلاثاء 2020/01/14
دولة دينها القانون

عام 2014 لم يتراجع الأزهر عن موقفه الرافض لتكفير تنظيم داعش. قرار إنساني صائب يترك ما لله لله وما للدولة للدولة، لأن باب التكفير إذا فُتح لا يغلق، ويتيح للحمقى منح أنفسهم حق التكفير المضاد. ولا يحتاج القتلة إلى دليل شرعي لمحاربتهم، وتقديمهم إلى العدالة التي يفترض أن تسمو فوق الأديان والمذاهب.

لم يمتد تخليص السياسة من استخدام الدين باستقامة تعصم الدين من شبهات السياسة ومراوغاتها، لولا استجابة هيئات إسلامية لإضفاء شرعية دينية، يمكن أن تردّ عليها هيئات إسلامية أخرى بإضفاء شرعية دينية على الموقف النقيض تماما. والموقف السياسي هنا يخص موافقة البرلمان التركي، في 2 يناير 2020، على مشروع قانون أُقر بموافقة 315 واعتراض 184 عضوا، ويسمح بإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا.

ففي 7 يناير 2020 أدانت رابطة العالم الإسلامي التدخل التركي في شؤون ليبيا، وهي خطوة يسهل أن يردّ عليها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي أسسه يوسف القرضاوي عام 2004، بتأييد “شرعي” لهذا التدخل. وفي هذا الاستثمار السياسي للدين فرص للعقلاء للفصل بين المطلق والنسبي، اقتداء بقول ابن المقفع “الدين تسليم بالإيمان، والرأي تسليم بالاختلاف، فمن جعل الدين رأيا فقد جعله خِلافا، ومن جعل الرأي دينا فقد جعله شريعة”. فماذا فعلت مؤسسة تتمتع بالصفتين السياسية والدينية، وهي وزارة الأوقاف المصرية؟

بطبيعة الحال أشاد وزير الأوقاف محمد مختار جمعة بقرار رابطة العالم الإسلامي، لكن ما يجذب الانتباه هو البحث عن الدعم المعنوي، ونشره في الموقع الرسمي لوزارة الأوقاف، إذ تلقى الوزير “رسالتيْ تأييد لبيان رابطة العالم الإسلامي بشأن دعم الموقف المصري، ورفض التدخل التركي في الشأن الليبي مع إدانته. الأولى: من الدكتور محمد البشاري الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة بأبوظبي، وهي تأكيد لما ذكره خلال اجتماع المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي… وإدانته الصريحة الواضحة للموقف التركي والتصعيد التركي والتدخل السافر المخالف لكل القوانين الدولية في الشأن الليبي مما يعد انتهاكا… يتطلب وقفة من المجتمع الدولي لكبح جماح تركيا ونزعتها الاستعمارية الجديدة”.

أتوقف الآن أمام ذهنية تدير مؤسسة دينية سياسية هي وزارة الأوقاف، وأمام كتاب جديد عنوانه “فقه الدولة وفقه الجماعة” لوزير الأوقاف محمد مختار جمعة، وأتذكر موقف الأزهر وقوى اليمين الديني عام 2014، حين أزعجهم نص دستوري يقرّ بأن مصر “دولة مدنية”، ورفضوا المصطلح، واستبدلوا به أن مصر “حكومتها مدنية” في ديباجة الدستور.

فقه الدولة، وهو عنوان كتاب الوزير، يقتضي ألا يكون للدولة فقه ديني، وأن يستبدل به قانون مدني يجعل الدولة جهازا محايدا يقف على مسافة واحدة من أصحاب الأديان والمذاهب، وألا تنصّ المادة الثانية أو الأخيرة من الدستور على أن “الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”. وبحكم هذا النص الدستوري، الممتد منذ دستور 1971 إلى دستور 2014، يكون غير المسلمين منقوصي المواطنة، ويتوجب على المسلمين حمايتهم باعتبارهم رعايا. في أحد السعف (9 أبريل 2017) استشهد 46 شخصا وأصيب 125 في تفجير كنيسة مار جرجس في طنطا والكنيسة المرقسية بالإسكندرية، وفي الانفعال بالكارثة استعان الوزير بكلام ابن حزم عن “حماية شركائنا في الوطن وأن ندافع عنهم”. ولم يسبق لوزير الأوقاف، أو لأي مسؤول مصري، أن صرح بضرورة حماية المواطن المسلم والدفاع عنه. وفقا لهذا التصريح القادم من غبار كتب الفقه، تُنزع عن المسيحيين صفة المواطنة الكاملة.

قبل قراءة بعض ما جاء في كتاب “فقه الدولة وفقه الجماعة” لمختار جمعة، أتصفح البوابة الإلكترونية لوزارته فأجدها تخص الوزير: مقالاته الأسبوعية، صوره، خطبه، سيرته بتسع لغات، مؤلفاته، “مكتبة الإمام الإلكترونية” ومنها كتاب “حماية الكنائس في الإسلام” مترجما إلى 12 لغة، ومهدى إلى رئيس الجمهورية “تقديرا لجهوده العالمية في مواجهة التطرف والإرهاب. تقديرا لجهوده الثاقبة في تجديد الخطاب الديني”. وتقترب مقالات الوزير من منحى هذا الإهداء، فيقول في مقال “الوعي بالوطن” “شدَّ انتباهي كثيرا ما ذكره سيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي من أن المؤامرة الكبرى قد تتمثل في عدم وعينا أو غياب هذا الوعي، وما ذكره من أن صياغة الوعي الصحيح وإعادة صياغة الشخصية المصرية تحتاجان إلى تضافر سائر مؤسسات الدولة المعنية ببناء الإنسان المصري… الوعي بالوطن يقتضي الإحاطة والإلمام بما يحاك له من مؤامرات تستهدف إنهاك الدولة، وبخطورة الإرهابيين والعملاء والخونة”.

لست بحاجة إلى قراءة كتاب ليس كتابا إلا بحكم الشكل بوقوع فصوله بين غلافين، وهي ليست فصولا، وإنما هي مقالات تستعين بالخطاب الفقهي التقليدي على ما لا يلزمه هذا الخطاب، مثل قوله “وقد قرر الفقهاء أن العدو إذا دخل بلدا من بلاد المسلمين صار الجهاد ودفع العدو فرض عين على أهل البلد: رجالهم ونسائهم”، فما علاقة قرار الحرب الدفاعية في أي بلد بالفقهاء؟

ويتخلى “الكتاب” عن السمات المعرفية للكتب، باستسهال الوعظ المنبري، فيكتب تحت عنوان “الدولة لا الفوضى” أن الدولة “حماية، الدولة أمان، الدولة ثقة، الدولة استقرار، الدولة نظام، الدولة مؤسسات، الدولة أجهزة، الدولة بنى فكرية وسياسية واقتصادية وتنظيمية وتشريعية”، محذرا من “مؤامرات خسيسة ودنيئة لتفكيك دولنا”. ويقول “من لطف الله بنا أن سخّر لمصرنا العزيزة من عبر بها إلى بر الأمان… في مصرنا الغالية نرسخ لنظام مؤسسي يحترم المؤسسات الوطنية”.

فصل المقال في الدولة أو اللادولة هو العدل، وإقرار حرية الفرد، وتخليص السياسة من الدين.

12