فقه "السترة والتحلل" لإطالة نظام البشير الإسلامي

الأربعاء 2014/05/07
يلتقي إخوان مصر وإخوان السودان في فشل إدارة شؤون الحكم

لم يتوقع الشارع السوداني أن تنتقل عدوى المطارق من النظام الحاكم في السودان، إلى أبعد معارضيه جغرافيا، وأشدهم تأثيرا عليه برفع السلاح في وجهه. فقد ظلت المطارق والعصي وكافة أنواع الأسلحة البدائية المتوفرة، بما فيها السياط وغصون الأشجار، ثقافة خالصة لتابعي الحزب الحاكم في الجامعات والثانويات، وامتدت لتشمل النقابات المهنية والتجمعات وتفريق المظاهرات.

صدمت الشارع السوداني قبل عامين تصرّفات بعض قياديي الحركات الدارفورية الذين جعلوا المواطن البريطاني يقف مذهولا وهو يشاهد لأول مرة عرضا حيا لطريقة حل فرقاء السياسة السودانيين لخلافاتهم، عندما اعتدى أولئك القادة على تجمّع كبير لعدد من أبناء الجالية السودانية في بريطانيا، كانوا يحتفلون بذكرى استقلال البلاد. وقد حكمت إحدى المحاكم البريطانية على المعتدين بالسجن، في الأيام الماضية.

وقد جاء النطق بالحكم، في وقت أثبت بالدليل القاطع قوة الحظ الذي تتمتع به هذه الحكومة التي تعيش أوهن فترات عمرها بعد أن ترهلت وشاخت، وبدأ تماسكها يتفكك، فما أعظم الفرق بين بداياتها في نهاية ثمانينات القرن المنصرم، حينما كنت تسمع وتشاهد غطرسة قياديّيها وهم يتحدثون في وسائل الإعلام، مدّعين بأنّ “الكثيرين عرضوا خدماتهم، والكل يريد مكانة بينهم”، ولكنهم كما كانوا يعلنون دائما؛ أنهم سيختارون بأنفسهم، من خارج قائمة الكثيرين الذين يستميتون في سبيل رضاء تلك الحكومة الجديدة -مبهمة الأصل وقتها- وبين هذه الأيام التي تعيش فيها الحكومة فترة شيخوخة حقيقية، وتحاول جاهدة إقناع منتسبيها بالبقاء والوفاء لها، وعدم اللّحاق بزملائهم الّذين قفزوا من ظهر سفينتها التي باتت موشكة على الغرق.


حزب الانتهازيين


فأخلص من كان يساندها في السابق تخلى عنها في أصعب أوقاتها اليوم. ولو قمنا بالتعداد لما وسعت السطور، فقد خرج الطيب مصطفى خال الرئيس البشير بعد أن نفذ بدقة مخطط فترة التّمكين القاضي بفصل الجنوب عن الشّمال، ليؤسس حزبه (منبر السلام العادل)، ويفلت العنان لصحيفته اليومية (الإنتباه) كي تعبث باستقرار البلاد، وتناصر الظلم المسلّط على الشعب. وهو يحيلنا على تشابه بين هذا الدور الذي تقوم به هذه الصحيفة، وبين دور قناة الجزيرة القطرية، مع فارق أن الأولى موجهة إلى السودان وحده، أمّا الثانية، القناة المريبة، فقد استهدفت كامل المنطقة على مستوى أوسع. هذا وقد انسلخ كذلك مساعد الرئيس وعراب الملفات الحكومية الصعبة، غازي صلاح الدين، من خلال تأسيسه لحزب جديد أسماه (الإصلاح والتجديد).

هناك فرق بين إسلاميي الثمانينات وإسلاميي اليوم، لقد ترهلت الحركة الإسلامية في السودان نتيجة عدم كفاءتها

وهكذا تعدّد خروج القادة كلّ بفصيله السياسي الكامل، ما أبقى الحزب الحاضن (الحاكم) يعيش في حالة “أنيميا ولائية” وعضوية حادة، بلغت إلى الدرجة الّتي بات يتخبّط فيها يمينا ويسارا لإقناع الذين لم يخرجوا عنه بعد بالبقاء، حتّى لو استدعى الأمر ترويج إشاعة رئاسيّة من العيار الثقيل، تفضي بطلب الجنوبيين من البشير ترتيب رغبتهم في العودة إلى أحضان الشّمال، وهو ما سارع الجنوبيّون إلى نفيه، مؤكّدين في بيان لهم، بأنهم دفعوا الغالي والنفيس، وقاتلوا عقودا طويلة من أجل الإستقلال الذي نالوه، فحتى لو كانت الحرب الأهلية الدائرة حاليّا، إحدى نتائج التّسرُّع في الانفصال، إلاّ أنّ فخرهم باستقلالهم سيظلّ قائما.


فتوى للإغراء بعدم المحاسبة


ولما فشلت هذه الخطوة، ابتدع النظام الحاكم حيلة جديدة للحفاظ على من تبقّى من عضويته، تتمثّل في فقه التحلل أو السُّترة. ذلك المصطلح الذي عرفه السودانيون حديثا، ضمن مصطلحات عدّة أسّست قاموسا سياسيا سودانيا ضخما من الكلمات التوليفية خلال ربع القرن المنصرم، وهي خطوة أحسّ فيها المراقبون ببصمات الترابي الّذي عاد في التقرّب من الحزب الحاكم في ظروف جعلت المتابعين في حيرة من أمرهم؛ فهل أنّ تحالف الترابي هذه المرة، يضمر نيّة تفجير الحزب الحاكم من الداخل والقضاء عليه نهائيا كما فعلها من قبل مع النظام “المايوي”، عندما تحالف مع الرئيس الراحل جعفر النميري، وورّطه بقوانين سبتمبر الشهيرة، ومن ثم وقّع على شهادة وفاة النظام بينما كان رئيسه يحلّق محتارا بين الأرض والسماء؟ أم أنّه يريد إعادة الحياة إلى هذا النّظام الذي بذل الغالي والنفيس في بنائه، قبل أن ينقلب عليه تلاميذه الّذين ربّاهم على يديه (ولم يحسن تربيتهم)؟

المعروف عن الترابي، أن التدين عنده أقرب إلى علم الفلسفة والإجتهاد، لا إلى الدين، وفقه التحلل أو السترة يسمح للمسؤولين الحاليين التابعين للحكومة بردّ ما اختلسوه من المال العام دون أن تطالهم يد القانون، بينما يتمّ عقاب أفراد الشعب الآخرين بالجلد والزجّ بهم في السجون لو سرق أحد منهم قطعة خبز. وقد تندّر الكتّاب والمعارضون بهذه الفتوى الفقهية الجديدة التي شغلت الساحة مرة أخرى عن النقاش في أمر المليار القطري، الّذي بدلا من إيقافه لهرولة الدولار، زاده سرعة على سرعته بعدما سقط أمامه بالضربة القاضية. وحتّى المصالحة الوطنية المعلنة في شكل شعارات، لا تحمل أيّة تفاصيل أو رؤى واضحة المعالم.


الترهيب وتوظيف الدعاية


فقه التحلل أو السترة يسمح للمسؤولين التابعين للحكومة برد ما اختلسوه من المال العام دون أن تطالهم يد القانون

إن الحزب الحاكم أفلح تماما في استغلال طعم جرعة محسوبة من الحرية، حاول من خلالها الوقوف الدقيق على حجم قواعده الحقيقي، ولم تكن النتائج الأولية حتى هذه اللحظة مرضية لتلك القوى السياسية التي نسيت قضيتها الحقيقية المعلنة، وانشغلت بالأضواء والكاميرات، وبدأت تهدر وتستنزف الوقت في الاستهلاك الخطابي الانفعالي غير المجدي، وهو ما أنجح خطة الحكومة في تغيير سياسة تلك القوى التي كانت تحس بالظلم والكبت، ما جعلها تعيش قبل فترة الانفتاح الأخيرة، حالة تركيز على أسس خطواتها في تحقيق أهدافها، إلى درجة تذويبها لخلافات أيدلوجية حادة جعلت اليميني يتحالف مع عدو الأمس اليساري، وبدأ الجميع يفكر في وسائل أنجع لمحاربة الحكومة بعد أن فشلت الوسائل القديمة، بما فيها المواجهات المسلحة، في ذلك.

فالحكومة تفوّقت على القوى المعارضة ببراعتها في التّعبئة الجماهيرية، عندما نجحت في تصوير انتصارات المعارضة على أنّهاعدوان مُوجّه إلى الشّعب، وقد ساعدتها في ذلك تصرفات سلبيّة كثيرة نتجت عن انفلاتات القوى المعارضة في ميادين القتال، فهي تقوم بنهب ممتلكات الأهالي، وترتكب أحداث اغتصاب انتقامية واضحة في مجتمع يحكمه التماسك القبلي، ماجعل من الشعب قوة دفاع كبيرة تعمل لمصلحة الحكومة دون قصد، وأيضا مكّن الحكومة من تعبئة الرأي العام تعبئة إنفعالية واضحة تعسّر من مهمة القوى المعارضة، حتى لو جنحت إلى السلم ووقّعت اتفاقيات إنهاء الحرب.

فالدّاخل لايخيف الحكومة كثيرا، ولكن ما رأته في مصر وتونس وحليفتها قطر جعلها تستشعر الخطر، وتبدأ من ثمّة في حملة توضيح حقيقة عدم إرتباطها بتنظيم “الإخوان المتأسلمين” الّذي صنفته دول الخليج “تنظيما إرهابيا”، وهو ما يهدد مستقبل علاقاتها مع تلك الدول التي مازالت تعيش حالة من الضّبابية في تصنيف هذا النّظام بصفة نهائيّة..فكيف ستكون ملامح الغد القريب؟

13