فقه ما بعد كورونا.. تنازلات ظرفية لتثبيت نفوذ رجال الدين

توسيع مؤسسة الفتوى لتشمل أطباء الاختصاص وعلماء الاجتماع والنفس.
الجمعة 2020/04/17
عقول عاجزة عن مواكبة التحديات الراهنة

ما فرضه انتشار فايروس كورونا في العالم، لم يقتصر على المسائل العلمية والاقتصادية والاجتماعية، بل طالت الأسئلة المترتبة على الوباء المسائل الدينية، ليصوّب الاهتمام نحو دور الفقه في المشاغل المعاصرة، وهو دور لا يفترض أن يظل أسير التصورات التاريخية، بل هو أمام حتمية مواكبة ما يستجد في العالم وفتح المجال أمام تخصصات علمية وطبية.

يجري الحديث عن تغيرات واسعة في العالم ما بعد كورونا سواء ما تعلق بالبحوث الطبية أو استثمار الدول في تطوير البنية الصحية، والسعي لتقليص الفجوة بين الفئات الاجتماعية، أو التأسيس لتضامن دولي أكثر متانة.

في المقابل، يجري الحديث، على استحياء، عن فقه إسلامي بروح جديدة يكون قادرا على الاستجابة لتطورات الواقع، لكن هذا الحديث يتم في دوائر ضيقة وفي صيغة تشبه الترف الفكري أكثر منها قراءة للنتائج التي خلفتها أزمة كورونا على صورة الفقهاء ورجال الدين الذين ظهروا في موقف ضعيف واستجابوا رغما عنهم لضغط الأطباء والسياسيين ولحملات نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، وما قدموه ليس سوى تنازلات ظرفية في قالب مناورة لتثبيت نفوذهم وتحسين صورتهم.

وبشر نورالدين الخادمي، وزير الشؤون الدينية التونسية في عهد الترويكا، ورئيس لجنة الفتوى في “اتحاد علماء المسلمين”، بأن “الحراك الإفتائي في نازلة كورونا ‘سيؤسس’ لطور جديد في الإفتاء”، لكن المبادرة التي عرضها طغى عليها استعراض المصطلحات والتجريد الذهني الفقهي أكثر من أن تقدم مداخل واضحة لاجتهاد يغلّب “إكراهات الواقع” كمصدر رئيسي للتشريع.

وكعادة رجال الدين، فإنهم يسعون إلى تغليف التنازلات بآليات فقهية جاهزة يتم سحبها من أدراج المكاتب ومن الكتب الصفراء لإظهار أنهم يمتلكون الأجوبة والقياسات الجاهزة مهما كان الواقع وتعقيداته، من ذلك الالتجاء إلى أحداث متنافرة في الأزمنة القديمة بشأن مواقف من الطاعون للركوب على قرار حكومات في العالم الإسلامي بإغلاق المساجد والصلوات الجماعية خوفا من العدوى، أو إظهار نوع من التفهم لمخاوف الناس بشأن دفن موتى كورونا وإجراءات التوقي.

لا تكمن المشكلة في غياب فقه الضرورات، أو ما يصفه الفقهاء بفقه النوازل (الطوارئ)، ولكن في غياب مبادرة الفقهاء ورجال الدين المباشرين للفتوى والمتحكمين في الخطاب الرسمي والشعبي لإظهار مواكبة الواقع والاستجابة السريعة لتحدياته.

الفتوى لا يمكن أن تكون مرتهنة لرجل الدين الذي يغرق في الشروح والتفاسير، وهو مغيّب عن الواقع وتعقيداته

وإذا كانت الفتوى في الأزمنة الإسلامية القديمة حكرا على الفقهاء الذين كانت عندهم ثقافة تأخذ من كل شيء بطرف، فإن الفتوى في وقتنا الراهن لا يمكن أن تكون مرتهنة لرجل الدين الذي يغرق في الشروح والتفاسير والقياس الفقهي، وهو مغيّب في الغالب عن الواقع وتعقيداته العلمية والاجتماعية، ولذلك فإن مؤسسة الفتوى تحتاج إلى أن تتوسع لتشمل أطباء من مختلف الاختصاصات وعلماء اجتماع وعلماء نفس وباحثين في الشأن الديني، حتى تكون أقرب إلى فقه منها إلى الاسترجاع وإسقاط أحكام مرتبطة بلحظة تاريخية، مرت عليها قرون، على واقع مختلف تماما.

وأبرز ظهور مفتي تونس عثمان بطيخ مساء الثلاثاء في التلفزيون الرسمي صورة دقيقة عن نوعية رجل الدين الكلاسيكي الذي يبحث عن قياساته ومراجعه في الماضي بالعودة إلى ابن رشد مثلا، كرد فعل على الانتقادات الموجهة له، رغم أن الرجل حاول خلال السنوات الأخيرة أن يظهر في ثوب المجتهد الذي يخرج عن “جلباب الإسلام السياسي”.

ومصطلح رجل الدين هنا مقصود للالتقاء في الوظيفة بين المفتي أو الخطيب في الجوامع مع صورة رجل الدين المرسومة في الكنيسة والتي أدت إلى الثورات على الدين وتبني العلمانية، والمشترك بينهما احتكار الدين ومحاولة السيطرة على وعي الناس بأحكام جاهزة في مظهر الحريص على التكلم باسم الله.

ويعود ارتباك الفتوى عند رجال الدين إلى كونهم مغيّبين عن الواقع بسبب صورة أرستقراطية تعتقد أن الفقهاء يجب أن ينفصلوا عن العامة لكونهم أعلم منهم وأقرب إلى الدين، وأدت هذه الصورة بمرور الوقت إلى قطيعة بين الفقيه والواقع بشكل كامل، وهو ما يجعل الفتوى في أغلبها مسقطة على الواقع وتعمد للتغطية على غربتها وعزلتها إلى الغموض وسرد القياسات الفقهية واللغوية والأحداث التاريخية.

لو كان الفقيه مرتبطا بالواقع وملتصقا بالناس وحاجاتهم وعارفا بتطورات الواقع وتعقيداته لكان أول من حثّ على العزل الصحي هم الفقهاء والخطباء في المساجد، لكنهم كانوا آخر من التحق بالركب، وحاولوا في البداية التقليل من المخاطر والإيحاء بأن الالتزام بالوضوء والتضرع إلى الله كاف ليساعد الناس على الخروج من محنة الوباء، وقبلوا على مضض بإغلاق المساجد.

وبسرعة حاولوا الركوب على الإجراءات الصحية الصادرة عن الأطباء والسياسيين وإظهار أن الفقه يمتلك آليات قياس تسبق هؤلاء الأطباء والمسؤولين الحكوميين الذين أوقفوا الصلوات الجماعية في المساجد، وبدأوا بتفصيل أحكام فقه النوازل قياسا على قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات” وأن حفظ الأبدان مقدم على حفظ الأديان.

وإذا كانت الأحكام الفقهية الخاصة بالنوازل أو الطوارئ بهذه السلاسة التي تسمح للفقيه بالاجتهاد بالسرعة الكافية، فلماذا لا تطبق هذه السلاسة في الأحكام العادية خصوصا ما تعلق بحفظ الناس ودعم العلم، وهي المسائل التي يظهر فيها الفقهاء تشددا كبيرا مثل قضية التبرع بالأعضاء لدى الموتى، والتي تلقى معارضة شديدة بسبب كسر ضابط حرمة الميت.

وقد حمل تحدي كورونا تأكيدا جديدا على أن الدوائر المعنية بالفقه، سواء كانت من مؤسسات الفتوى أو من أولئك الباحثين المستقلين، أو أولئك المتمترسين في مقابل مؤسسات الفتوى والمحسوبين على الإسلام السياسي، تعيش على الهامش، وأن عليها التخصص في مجالها التقليدي، أي فتاوى العبادات، وتترك القضايا الطارئة لأهل الاختصاص من أطباء وعلماء وباحثين كل في مجاله، بما في ذلك مجال الأحوال الشخصية الذي ترتهنه لفتاواها.

وقبل أيام من حلول شهر رمضان تصدى رجال الدين في بلدان عربية وإسلامية للفتوى بشأن ضرورة الصيام من عدمه، في وقت كان عليهم أن ينتظروا قرارا من الأطباء يظهر حقيقة تأثير الصيام، وهل أنه فعلا يقلل من مناعة الجسم في التصدي للفايروس أم لا.

استشارة أهل الاختصاص قبل إصدار الفتوى
استشارة أهل الاختصاص قبل إصدار الفتوى

وأصدرت مجموعة من علماء جامعة الزيتونة في تونس “بيانا شرعيا” استباقيا تؤكد فيه أن “ما أُشيعَ عن إضعاف الصّوم لمناعة الإنسان الصّحيح، ممّا يهدّد بالإصابة بفايروس كورونا، ليس سوى دعوة عارية عن الصحّة”، في تناقض واسع مع مخاوف حقيقية لدى الحكومات والأطباء.

ما ضر لو أن رجال الدين، الذين يمثلون واجهة دينية لتيار الإسلام السياسي في تونس، لجأوا إلى لجنة طبية متخصصة وطلبوا منها “فتوى صحية” يمكن الاستناد إلى رأيها قبل الخوض في مسألة حساسة بدل مصادرة الرأي، خاصة أن مفتي البلاد ذهب في الاتجاه المغاير بالاحتكام إلى رجال العلم والأطباء.

وقال عثمان بطيخ ”لا يمكننا أخذ أي قرار دون العودة إلى تقارير أهل الاختصاص الأطباء ووزارة الصحّة”، مشددا على أنّ وزارة الصحة والأطباء هم الأكثر دراية بتأثير كورونا على صيام الناس من عدمه في شهر رمضان.

وكشف المفتي أن مجلس الأمن القومي سينعقد الخميس وسيناقش معطيات جديدة خاصّة بالفايروس و”على إثرها سيتمّ بناء قرار خاصّ بشهر رمضان”.

ويقود جمهور الإسلام التقليدي، وأساسا أنصار حركة النهضة، حملة على بطيخ بسبب هذا التصريح الذي يقر بأن رجل الدين لا يمكنه أن يخوض في المسائل العلمية الدقيقة، وأن أي فتوى لا بد أن تستند إلى آراء أهل الاختصاص، فضلا عن أن القرار النهائي يعود إلى مؤسسة مجلس الأمن القومي، وهي تضم الفاعلين الحكوميين في مواجهة الوباء بما في ذلك اللجنة العلمية لوزارة الصحة، وبإشراف مباشر من رئيس الجمهورية قيس سعيد.

ويتهم ناشطون إسلاميون المفتي بأنه يطوع الفتوى لخدمة المؤسسة السياسية تماما كما كان في سنوات ما قبل الثورة، لكن الهدف من هذا هو العمل على حصر الفتاوى بيد رجال الدين ومدرسي الجامعات الدينية، بما يعنيه ذلك من تحولهم إلى سلطة دينية مستقلة وورقة سياسية قوية بيد الجماعات الإسلامية.

إن معارك الفتوى، التي ظهرت بالتزامن مع وباء كورونا، هي معارك نفوذ سياسي واعتباري للمؤسسة الدينية التي لا تريد أن تعترف بتراجع مجال تأثيرها في ظل تطورات علمية مذهلة يعجز رجل الدين عن مواكبتها فما بالك بفهمها والإفتاء بالاعتماد عليها.

13