فكرة الفرق الثلاثية لا تكفي لإعادة السينما المصرية إلى مكانتها

صناع السينما في مصر باتوا يبحثون عن طرق إنعاش الفن السابع من كبوته بعدما أصابته حالة ترهل نتيجة لعزوف قطاع كبير من الجمهور وبعض النجوم عنه، واختار ممثلون تحقيق أمجادهم الشخصية في العمل الدرامي بدلا من الأفلام.
الثلاثاء 2018/07/31
حكاية نمطية

القاهرة – أصبحت إحدى الطرق التي يحاول من خلالها المنتجون إعادة إحياء السينما المصرية، الاعتماد على الفرق السينمائية الثنائية والثلاثية، والتي طالما حملت على عاتقها جذب الجمهور، وصنعت شعبية لأصحابها استمرت لسنوات طويلة وحقّقت نجاحا باهرا في الكثير من الأحيان.

بداية من فؤاد المهندس وعبدالمنعم مدبولي، وثلاثي أضواء المسرح، سمير غانم وجورج سيدهم والضيف أحمد، وثنائية فريد شوقي ومحمود المليجي، ونهاية بالثلاثي الكوميدي شيكو وأحمد فهمي وهشام ماجد، نجح هؤلاء النجوم في صناعة تميمة جعلت لأعمالهم بريقا مميزا بعدما شكل حجم التوافق في التمثيل والتفاهم بين الأبطال تفاعلا كيميائيا حقق نجاحا جماهيريا.

وبحث البعض من صناع السينما مؤخرا عن فكرة لإعادة تلك الفرق التمثيلية كوسيلة ترويجية جديدة، يمكن بها لفت انتباه الجمهور الذي أخذ ينصرف نحو متابعة الأعمال الدرامية، وجاءت الفكرة من رحم نجاحات حقّقها أصحابها، فحاول المنتجون توظيفها واستثمارها، دون إدراك أنها قد لا تستمر طويلا، وظهرت موجة من الأعمال التي يتكرّر فيها بعض النجوم، باعتبارها توليفة مضمونة النجاح، ولو مؤقتا.

3 وجوه كوميدية

قدّم فيلم “نورت مصر” الذي جمع بين أبطاله بيومي فؤاد ومحمد ثروت وهشام إسماعيل، وهم المصنفون بكونهم نجوما مساعدين للأبطال الرئيسيين في أي عمل فني، أحد تلك الأعمال التي رأت في الثلاثة وجوها كوميدية ناجحة، صنع كل منهم جمهورا عبر لمساته الساخرة.

"نورت مصر" اعتمد على بيومي فؤاد ومحمد ثروت وهشام إسماعيل فاصطدم بنمطية القصة وضعف المستوى
"نورت مصر" اعتمد على بيومي فؤاد ومحمد ثروت وهشام إسماعيل فاصطدم بنمطية القصة وضعف المستوى

وحاول صناع “نورت مصر” التغاضي على القصة المكررة والإخراج المتوسط والتصوير غير الجذاب باستثمار وجود الثلاثي الذي يكاد يصبح تيارا جديدا على الساحة الفنية قد يثمر إبداعات كوميدية تخرج منه وتعيد الأذهان إلى الفرق الكوميدية القديمة التي تربى عليها قطاع من الجمهور في العقود الماضية.

والقصة التي جاء بها فيلم “نورت مصر” ليست غريبة على الجمهور، حيث الصديق “الحريص ماديا” والعائد من الخارج وأصبح مطمعا لأصدقائه الذين يعيشون أوضاعا مادية تعيسة، ويجسد شخصية “العائد” الفنان بيومي فؤاد.

وحاول مؤلف الفيلم وليد يوسف، التأكيد على فكرة الصداقة ومضمونها وكشف محاولات كل صديق اجتذاب صديقه “حامد” الذي يلعب دوره الفنان بيومي فؤاد للفوز بصفقة مالية معه، فأحدهما “هاشم” ويلعب دوره الفنان محمد ثروت، فُصل من عمله بإحدى شركات الاتصالات ويعيش عالة على زوجته التي تنقذ حياتهما ببعض ما تصنع داخل المنزل.

ويجسد هشام إسماعيل شخصية “علي” مندوب المبيعات الذي يحاول والد زوجته، ويلعب دوره الفنان أحمد حلاوة التقليل من شأنه ويدفعه إلى الاستفادة من عودة صديقه من الكويت ومشاركته في عدد من مشروعاته التي يحلم بتنفيذها، وهنا تبدأ رحلة الصديقين في الإيقاع بـ”حامد”، لكن ذكاء الأخير يجعله أكثر حرصا.

وهذه التوليفة التي صنع منها العمل كان من الممكن أن تصنع مسارا كوميديا ثريا في الأحداث، لكن مؤلف الفيلم اهتم بوجود الثلاثي الكوميدي على حساب صناعة الكوميديا ذاتها، ما تسبب في فجوة درامية وغياب شبه كامل للكوميديا التي انتظرها جمهور الفيلم.

ورغم أن البطل الرئيسي بيومي فؤاد، له رصيد وفير من الأداء الكوميدي، لكن شخصية “حامد” التي قدمها جاءت باهتة وتحمل محاولات افتعال للكوميديا عن طريق تعبيرات الوجه والاعتماد على بعض العبارات الجادة التي تهدف إلى صناعة الضحك.

ومع أن الأسلوب الذي اتبعه فؤاد في تجسيده لهذه الشخصية والأداء الجاد الذي يهدف من ورائه إلى الابتسامة، هو الأسلوب الذي يعتمد عليه بعض النجوم الأجانب في تقديم أدوارهم، إلاّ أن طريقة السرد التي بني بها العمل لم تسهم في ذلك الهدف من الأساس، وجاءت جميعها مفتعلة وشديدة المبالغة في محاولات صناعة الضحك.

وكشف الفيلم عن منظور أن صناعة فيلم مبني على نجوم ثلاثة قد يصنعون تواصلا خاصا يجذب الجمهور، وحده لا يكفي لعمل فيلم ناجح ومتكامل، فمساحة الأدوار والكتابة والأدوات التمثيلية باتت أساسية لنجاح أي عمل، حتى وإن كان الممثلون نجوما كبارا.

ولم يحقّق الثلاثي شيكو وفهمي وهشام، النجاح الكبير خلال السنوات الماضية بقدرتهم على التفاهم فقط، لكن بتقديم لغة كوميدية جديدة تتناسب مع الجيل الحالي من الشباب، وصناعة أفكار تبدو في ظاهرها بسيطة، لكن عدم تناولها من قبل أضفى عليها نجاحا أكبر.

ثروت الاستثناء

سباق داخل السباق
سباق داخل السباق

بعيدا عن الموهبة التي يمتلكها هشام إسماعيل ومحمد ثروت، إلاّ أن صناع فيلم “نورت مصر” لم يدركوا أن النجمين في طريقهما إلى الانهيار السريع والقضاء على نجوميتهما بشكل أسرع، فالأول يحالفه سوء اختيار أعماله وأضحى أداؤه نمطيا إلى حد كبير، بالرغم من تخلصه من شخصية “فزّاع″ الشهيرة التي قدّمها في مسلسل “الكبير” أمام الفنان أحمد مكي.

أما محمد ثروت فقد بات عمودا أساسيا في تركيبة الكثير من الأفلام الكوميدية مؤخرا، في محاولة للمزيد من الشهرة والمكسب الجماهيري، وعليه أن يستفيد من إمكانياته ويقوم بتطوير مهاراته حرصا على مستقبله الفني.

ويعد محمد ثروت الوحيد بين هذا الثلاثي الذي يمكن أن يخرج من مأزق التكرار، بعد أن بات بيومي فؤاد مستهلكا بسبب الظهور المتكرر في الكثير من الأعمال، كذلك هشام إسماعيل الذي يحتاج مراجعة وتقييما لأعماله.

ولدى ثروت فرصة جيدة للمزيد من الانتشار، لأنه يمتلك شخصية تمثيلية مميزة على مستوى الشكل ونبرة الصوت الذي يجعله صاحب أداء مختلفا عن غيره من نجوم الكوميديا الحاليين، يضاف إلى ذلك أنه أصبح محملا بخبرة تجارب العمل مع الكبار والشباب، وسبق أن شارك مع الفنان عادل إمام في مسلسلي “عفاريت عدلي علام” و”مأمون وشركاه”.

والأهم عند الجمع بين عدد من الممثلين الناجحين لتقديم عمل مشترك أن تتناسب مهارات كل نجم مع الممثل الآخر وتكمل ما يفتقده، وظهرت تلك المعضلة كسبب آخر لعدم نجاح تركيبة فيلم “نورت مصر”، فاختلاف الأداء الكبير بين النجوم الثلاثة خلق فجوة في التمثيل، وتحول الأداء بينهم من التكامل إلى التنافس للفوز بلقب نجم الفيلم الأول.

وما لم ينتبه إليه صناع السينما في مصر أن خلق فرق تمثيلية لا يكفي دون الاهتمام بالمضمون والفكرة وتحسين المستوى التقني، لتبقى هذه الصناعة أثيرة للمكسب السريع، وتتمكن من العودة إلى ما كانت عليه، لأن المنافسة أصبحت محتدمة، وثمة محاولات عربية حثيثة لتطوير هذه الصناعة، ما يضع على عاتق السينما في مصر حملا ثقيلا، ومن الضروري البحث عن وسيلة لتخفيفه، ولن يكون هناك باب أفضل من الاهتمام بالمستوى الفني إلى جانب صناعة مواهب جديدة، تتجاوز فكرة الثنائيات والثلاثيات.

16