فكرة القارئ

الخميس 2017/07/27

ما زال الالتباس قائماً في علاقة القارئ بالنص، بالرغم من عشرات النظريات النقدية التي استحوذ فيها (القارئ) على الاهتمام الاستثنائي بوصفه مشاركاً للنص أو منتجاً له أو له أدوار أخرى تفنن النقاد الغربيون بتدبيجها.

وهذا الالتباس بطبيعته يثري ويفعّل العلاقة المفترضة بين الاثنين من دون (موت) هذا على حساب ذاك، فلا أحد (يموت) بالنتيجة من الطرفين، إنما هي جدلية مزمنة يبرع النقاد في تأثيثها، كلما تطورت أدوات النقد تطورت وسائل الإيصال الأدبية سرداً وشعراً في أشكالها وموضوعاتها.

لكننا نظن أن النقد المتعاقب في هذه الجدلية هو الذي يموت ثم ينهض مع وسائل اكتشافاته التي لا تنتهي مع هذه الثيمة المتكررة ليصف العلاقات المتجاورة بين النص وقارئه مستفيداً من السرديات الحديثة التي فكّت علاقتها كلياً مع تنميطاتها وقوانينها القديمة.

من موت المؤلف لرولان بارت وحتى القارئ السوبر أو الفائق لـريفاتير ظلت هذه الجدلية قائمة وبقيت استقلالية النص قائمة ولو أنها خاضعة للتأويل والقراءات المتعددة وهذا من طبيعة الجدل النقدي والقرائي، بتعبير أننا نكتب النصوص وغيرنا يتحمل وزرها، قراءةً وفذلكات نقدية تنتهي مهما طال مقامها بين النصوص أو بين القرّاء.

وما من نص سردي يتغير بعد هذه الفذلكات والخرائط النقدية المحمومة، فالعمل الأدبي يتخذ شكله في الأذهان كما يقول آيزر وبالتالي لا جدوى من إحباطه وإحباط القارئ معه.

كل نص هو تجربة ذاتية ومعرفية وذهنية للكاتب لا تتجرد عن زمنها، وهذه التجربة بمستوياتها المختلفة بين الكتّاب هي التي تُختَبر في القراءة مثلما تختبِر القارئ المتعاقب مع الزمن، لذلك نجد قارئ دوستويفسكي الستيني ليس هو القارئ في زمن عولمة الاتصالات.

فالمعرفة المتراكمة والقراءات المتواصلة هي التي تفرز القارئ وبالتالي تفرز النوعية النصية معه؛ ومع أجيال جديدة قذفت بها السنوات التالية أُنتِجَ قارئ آخر له رصيد فني مختلف عن القارئ القديم، ومع أن القارئَين لدوستويفسكي في الزمنين لا يختلفان كثيراً في تقييم هذا السارد الكبير، لكنهما يفترقان في تحديد آليات فنية سردية متطورة وهذا طبيعي بقياسات امتداد الزمن الفني من دوستويفسكي حتى أليف شافاك!

يعتقد جوناثان كلر أن الشخص الذي يقرأ قدراً كبيراً من الأدب هو أكثر استعداداً لفهم عملٍ ما من الشخص الذي لم يقرأ شيئاً، وهذه بديهية كذخيرة قراءة تستطيع أن تُدرك النص كما أراده المؤلف أو كما تُخضعه “القراءة” للتأويل والشرح والتفسير والإحالات وهذا ميدان (منطق القراءة) عند تودوروف.

فإسقاطات القارئ الثقافية والاجتماعية والسياسية تلعب دوراً مهماً في استقبال النصوص وتهيئتها للتأويل والنظر إلى زواياها المختلفة بنديّة. على أن هذا لا يعني شطبها أو التخلي عنها.

فالقارئ الذي يصفونه بالمنتج هو في الأحوال كلها قارئ غير قادر على الكتابة، لكنه قد يشارك فيها بطريقة ثانوية، وهذا يحيل إلى الميدان النقدي الذي توغل فيه أساتذة كبار بوصفهم قرّاءً من طراز جيد وهم الذين يقترحون القراءات التالية ويخططون لنوعيات القارئ الاعتيادي أو الاستثنائي أو المتفاعل أو الأيديولوجي وينظّرون له بقدسية.

لكن يبقى النص ثابتاً بمكانه من دون أن يتحول إلى رأي آخر مع مرور الوقت والزمن، لذلك يكتسب بقاءه الفعلي حتى مع تحولات نظريات القراءة ونظريات التلقي الكثيرة، وهذا أمر بحد ذاته يدعو إلى التأمل مثلما يدعو التحول النقدي الدائم إلى التأمل أيضاً بوصفه حلقة وسيطة بين النص والقراءة.

هل النظريات النقدية في هذا الحقل هي وهمٌ في القراءة؟ أم هي تفعيل جدلي مزمن لتطور الكتابة؟ أم هناك وهمٌ مستشرٍ في فكرة القارئ وإعطائه دوراً أكبر منه؟

كاتب عراقي

14