فكرة المخلص وهويته وغاية قدومه المنتظر

السبت 2016/04/23

مهما بلغ قَدْرُ التنوع في أسماء المُخلِّصين المُنْتَظريِن، أو تعدَّدت صفاتهم وحساسياتهم وملابسات شعورهم وملامح وجوههم المتوهَّمة، أو تغايرت مكونات العقيدة التي تجعل من انتظار قدوم واحدهم عِمَادَ أعمدة خيمة الانتظار العقيدي التي تتنوَّعُ وتتعدَّدُ أماكن وقوعها، لتلتقي في خاتمة المطاف، على أطراف متاهة من قيظٍ وهجير، أو على حافَّة نبعٍ سرابيٍّ لا يُشفي ماؤهُ المتوهَّمِ ظمأ شافهٍ جَفَّفَ ريقَهُ واقعٌ حياتيٌ مُعتمٌ ومريرٌ ومقرونٌ بتخييمٍ مُزمن في سراديب أقبية انتظار مُنقذٍ لا يجيْء؛ فإنهم يرتدونَ، جميعا، إلى تماثلٍ في الماهيَّة والهوية والهيئة يتأسَّس على إمعانٍ غير سويٍّ في أوهام تخييلية رَسَخَتْ في أعماق ذوات إنسانيَّة تتوق إلى خلاص لم تكن مؤهَّلة أو هي ليست مؤهلة بعدُ، لخوض مغامرة اكتشاف مداخل سُبُلِهِ، والتَّهيؤ من ثمَ لاجتياز حُدود مداراته وآفاقه الممكنة.

ومهما تمدَّدت أزمنة انتظار هذا المُخلِّص أو ذاك، أو تباينت أماكن وجوده، أو تغايرت الحالة التي هو عليها في هذه اللحظة من الزَّمن والآن المفتوحين على كُلِّ زمن وآن؛ ومهما كان التَّصوُّر التفصيلي بشأن أي أمر يتصل بمنحنى حياة أي من المخلِّصين المنتظرين وقصَّة موته ونبوءة قيامته وعلامات قدومه، فإنَّ غاية قدومِ هذا المُخلِّص، الموعود والمنتظر بغير موعدٍ مضروب، إنَّما هي إقامةُ العدل والقسط في الدُّنيا بعد أنْ عمَّها البلاء ومُلئت جورا وظلما واستبدادا وجشعا لا يشبعُ وطغيانا.

وسيكون لتحقُّق هذه الغاية المنشودة منذ بدء الحياة حتى يومنا هذا، أنْ يُفضي إلى صوغِ نمطِ تَصوُّريٍّ للحياة تذوى فيه التناقضات والصراعاتُ، وتتعايشُ فيه النَّقائضُ جميعا بعد طوال اصطراعٍ وفراق حتَّى “ترتع الأسودُ مع الإبل، والنُّمور مع البقر، والذِّئابُ مع الغنم، ويلعبُ الصبيان مع الحيَّات فلا يضرُّ بعضهم بعضا”، وذلك بحسب ما يخبرنا “الثَّعالبيُّ” في مؤلَّفه “قصص الأنبياء”، ووفق ما تُصوِّرهُ الأساطير والحكايات والمرويات الخرافية والشعبية والتأملات التخييلية الموهومة التي تتراكم ولا تكفُّ عن مُعاودة الانبعاث في ثنيات وأنسجة كُلِّ واقع ظلامي مستبد وقاهر!

فمن ذا يكونُ، إذنْ، هذا المُخلِّصُ المنقذُ القادر على تحقيق تلك الغاية السَّامية لإنقاذ نفسه وآخره، وهي الغاية التي يرى نفسه مُكَلَّفا بإنجازها من قبل نفسه المسكونة بآخره الذي ينتظرهُ ويرى فيه، أيا من كانَ أو ما كان هذا الآخر، اكتمال أَنَاهُ، وتمام رسالته في وجودٍ مؤجَّل في انتظار قُدومه المُؤجَّل إلى آمادٍ بعيدةٍ لا يعلمُ قَدْرَ بُعدها عن النَّاس أحدٌ من النَّاس؟

ولقد تواترت التَّصوُّرات والأقوال ونصوص الرِّوايات التي تسند فعلَ الإنقاذ إلى منقذٍ ذي طبيعة تتجاوزُ طبيعة الإنسان؛ وذلك على نحو يصلهُ بهُويَّة تتراوح ما بين هُويَّة إلهٍ، أو نَبيٍّ، أو نَبيٍّ مُوَّلَّهٍ، أو قديس، أو شامانٍ، أو وليِّ، أو ملك مُقدَّسٍ، أو إمامٍ معصومٍ هو، في التَّصور الرَّغبويِّ الموهوم، إنسانٌ مُؤلَّهٌ يستمدُّ عصمته من انتسابه، جسدا وفكرا ورسالة وجود، إلى إله أو نبي أو نبي مؤلَّه، بحيث يكونُ هذا المُخلِّصُ، في كُلِّ تصوُّرٍ وحال، وجودا مُفارقا، ساميا ومتعاليا، يضفرُ، في غيبة حضورٍ أو في حضور غيابٍ، عالمي الغيب والشَّهادة في إهاب كينونةٍ مُتصوَّرة تسكنُ المُخيِّلة لتدمجُ اللطيف بالكثيف، والمجرَّد بالمجسد، والخيال المتوهَّم بالواقع الملموس، وما إلى ذلك من ثنائياتٍ متعارضة يُفضي إدماجها، تخيليَّا، إلى توليد رؤى تصوُّرية، طوباوية، تفتحُ آفاق الوهم ومداراته الواسعة على انتظار حُدوث ذلك التعايش المستحيل ما بين الإنسان والوحش، وذلك في إطار منهج حياة شامل ومتكامل، شديد الانضباط ودائم الوجود، ولكنَّه مُتخيَّلٌ، مُتخَيَّلٌ ومسكونُ بوهم طليق فحسب!

كاتب من فلسطين

16