"فكرة اليد الواحدة" الأساطير اليومية التي تمد الذاكرة بحرارة الصور

‫‏تأتي مجموعة “فكرة اليد الواحدة” للشاعر العراقي عبود الجابري بعد ثلاثة إصدارات شعرية، هي “فهرس الأخطاء”، “يتوكأ على عماه”، و”متحف النوم”، لتكمل السلسلة النثرية التي بدأها منذ عشر سنوات متنقلا من تجربة إلى أخرى عبر فتح حيوات بكامل تفاصيلها ويومياتها وبعثرتها.
السبت 2015/10/10
العالم شجرة من الأمهات الخائفات

يصوغ الشاعر عبود الجابري في مجموعته الشعرية “فكرة اليد الواحدة” نصا متجزئا يتغير وفق البيئات اللغوية المتنوعة وبأشكال تعبيرية مختلفة، كأنه في ورشة بحث دائمة عن يوميات شاعر يظل يسرد تفاصيل حياته وحياة أسرته وأصدقائه وكل من يعيش معه.

يحكي الشاعر قصصا عن حوادث جرت معه وأثرت على سلوكه وطريقة معيشته اليومية، يتحدث بتلقائية عن مواقف جرت معه في الماضي وعن الظروف السياسية والاجتماعية التي رافقت تصوراته وذكرياته ورؤيته للحالات والمشاهد الصعبة التي مرّ بها العراق، كل ذلك عبر دفقات نثرية وشعرية متنقلة ومتنافسة، فالشعر بالنسبة إلى عبود الجابري هو التخلص من وزن البلاغة ومن ثقل القاموس الذي يجترّ النص وينهكه.

والمعروف عن الشعر العراقي هو الروح الفجائعية التي تزخر بها النصوص الطويلة، خاصة تلك التي تعتمد على الصخب والضوضاء واللغة الفسيحة القلقة، التي تشبه إلى حدّ ما الصراخ والمناداة والتأوّه النابع من نهايات لقصص أليمة وكوارث حياتية تصيب الهامشيين، ولا فرق بين الهامش والمتن إلا بطريقة موته، فلا تصنيف هنا للموت ولا تقدير له إلا كونه شريكا للحياة، والأجدى أن نخرج الموت من معناه الدلالي ونلبسه رمزيته وقدراته القابلة للتأويل وإفراغه من نزوعه وغطرسته:

“لست أنا من كتب الرسالة

لكنها نصيحة الميت للحي:

اهنأ بموتك جدا

فالعالم شجرة من الأمهات الخائفات

شجرة تسعى بسواد أغصانها

إلى بياض موتك”.

كذلك يحضر الهذيان الحلو في اللغة التي تنساب وتنهمر على كامل النص مفتتحا حديقة كاملة من التأويلات، كل نص هو مقولة أو حكمة أو موعظة شعرية لا تنتهي بانتهاء الجملة الأخيرة، بل تظل مشتعلة ومحتدمة ومغوية، فاللغة الهاذية التي يبدع فيها عبود لها أدوات فنية بالنسبة إلى القول الشعري، ويمكن ملاحظتها في تنقلات اللغة العادية المحكية إلى اللغة المحكومة بالبلاغة المفترضة الصعبة والتي تثير التساؤل عن جدوى تكرارها ومدى نجاعة جماليتها وخلق شعرية ملتصقة بالحياة وتناقضاتها وفتح مخيلة مزخرفة وغنية بالأساطير اليومية التي تمد الذاكرة بحرارة الصور والتشكيلات البصرية القافزة منها، وتدعو إلى انفلات سلس للمشاعر البسيطة والأليفة والانحياز إلى الأفكار الكبيرة والاشتغال عليها كمساحات تعبيرية تنقل الشعر من المتخيل إلى الواقعي والميتافيزيقي إلى عقيدة شعرية بحد ذاتها.

تأتي المجموعة كتجربة الفكرة بيد واحدة أو بقلب واحد وعقل واحد وسماء واحدة، تجربة المحسوس بالملموس، العوالم الخارجية للكلمة نفسها مع العوالم الداخلية، حيث الافتنان بلعبة تركيبة الهواجس والمتخيلات الذهنية مع صنعة تدوين الجمل الشرهة والأنساق التي تتطلب إسرافا في البلاغة وبريقا في المجازات اللفظية التي تتجاوز الواقعي وتنتهك حرمة الشعري، كل ذلك في محاولة لعدم الاشتباك ضد اللحظات الشعرية التي يتوق إليها الشاعر.

ما يعيب نص عبود الجابري هي الإقحامات السياسية والمواضيع الكبيرة التي يضغطها بالمواضيع الصغيرة، العناوين الفسيحة لوقع صغير لا يستحق التوقف عنده، لا لأنه يشكل خطابا أو مسعى إيديولوجيا بقدر ما هو تمارين للتزلف البلاغي المرّ، الذي يفسد على باقي النصوص جمالياتها وبياضها، إضافة إلى السردية التي تصل إلى حدّ القص الحكائي وتبلغ أحيانا النثر بكل تعقيده وآلاته، حتى اللغة في أقصى انبهارها تتداعى لمجرد توقفها عند الجريان الشفهي السريع خاصة في النصوص “أحزاب – يلل” ونصوص قصيرة أخرى.

فكرة اليد الواحدة لم يترك شاعرها فكرة إلا ولمسها بقلبه ويده وروحانيته، بل سار بها إلى عوالم كثيرة لم يطأها الشعر العراقي من قبل، لقد مجّد عبود الجابري الأشياء كلها وتفنن في إظهار الألم العراقي، بحساسية مرهفة جدا وشاعرية مرتجفة ولذيذة، وبلغة لا تغيب عنها المأساة والفجائعية العراقية المعهودة.

17