فكرة مريم

الاثنين 2017/05/15

كان حسين الحسيني وهو شاعر عراقي توفي قبل سنوات يحدثني بشغف عن مريم، محبوبته التي تقيم خارج العراق، لم يكن يكتب إلا غزلا، كان غزله كله موجها إلى مريم.

لم يكتف بالكتابة، بل أنه كما عرفت في ما بعد كان قد وظف كل حياته في سياق ما يخدم علاقته بتلك السيدة التي لم يكن يراها إلا في أحلامه، ذلك لأنها كانت قد غادرت العراق قبل سنوات.

فهو يعد قهوته مثلما كانت مريم تعدها، وهو يتأنق بالطريقة التي تعجب مريم، يقرأ الكتب التي يعرف أن مريم تحب قراءتها، لا يذهب إلى مكان إلا إذا كانت مريم قد ذهبت إليه أو كونت عنه فكرة جيدة، لا يجالس بشرا كانت مريم قد كونت عنهم فكرة سيئة، يتلذذ بالطعام الذي يقول إن مريم كانت ماهرة في إعداده.

بهذا المعنى فإن مريم احتلت الكتابة والحياة معا بالنسبة له، ما جعله وهو العاشق الولهان يتخلى عن كل شيء سواها، كانت ترافقه أينما حل وأينما مضى.

أخبرني أن الرسائل التي تبادلاها عبر عقود من الفراق قد تصنع يوما ما رواية عظيمة. قال لي ذات مرة “إنها مقياس حرارة الأرض، الحياة ممكنة لأنها لا تزال موجودة”.

حين مات الحسيني في ظل الفوضى العراقية لم يرثه أحد بالرغم من أنه كان محاطا بالكثيرين، لقد مضى خيالي إلى التفكير بمصير تلك الرسائل التي تبادلها مع مريم.

هل تم التخلص منها مع ملابسه وكتبه وأشيائه القليلة باعتبارها مخلفات رجل ميت؟ ولكن قد تكون مريم مجرد ذريعة استعملها صاحبي ليكتب شعرا يشبهه ويعيش حياة يحلمها.

قد يكون الحسيني قد اخترع تلك المريم لكي يقنع نفسه بأن هناك سببا للعيش، لقد سألت عن مريمه الناس الذين عرفوه فكانوا مثلي، سمعوا بمريم من غير أن يروا لها أثرا، وهكذا يكون صديقي الشاعر قد أخذ ملهمته معه واختفى.

كاتب عراقي

16