فكر الملك عبد الله بن عبد العزيز باق لكبح الطائفية

الثلاثاء 2015/01/27

التعاطي الفكري للملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، مع قضايا حوار الأديان والمذاهب تكتسب قيمة إستراتيجية من واقع العمل لما فيه أمن وسلام البشرية وليست طوائف أو مجتمعات بعينها، وكما قال العلامة ابن خلدون “الخير هو المناسب للسياسة” فإننا نجد أن الدور المنهجي للملك الراحل فيما يتعلق بالحوار صبّ في خير الإنسانية، حيث بذل جهدا كبيرا في الوصول إلى مقاربات منطقية تناسب خيارات العالم في تحقيق سلامه الداخلي، وذلك لم يكن فعلا أو أداء لتحقيق مكاسب ذاتية بقدر ما هي قناعات غير قابلة للخدش وتأويلها بغير منطقها السلمي المبرأ من مقاصد السياسة.

حوار الأديان فكرة ملكية بامتياز وإلى جوارها فكرة حوار المذاهب، الأولى تستهدف سلام العالم وتتوافق مع الاتجاهات الدولية لأدوار الأمم المتحدة في تعزيز التعايش السلمي وهو الهدف الذي ظل ضالا طريقه لعقود إلى أن أعاد الملك الراحل إليه الحياة بدعوة جميع الأديان إلى قواسم مشتركة يتكيف معها الأتباع دون ضرر أو ضرار، فاعتناق الأديان مسألة قناعات وحريات ذاتية يجب تقديرها وتقييمها، وحين ننظر إلى تفعيله لهذا الحوار نجد أنه يحقق مكاسب هائلة للأمة، لأن الدين بحاجة إلى أن يتنفس في مناخات حرة، وهو بذلك خدم الدين بأذكى أسلوب دون أن يشتبه في تطرف أو غلو، وذلك درس لحراس العقيدة الذين رفضوا الحوار بما يجمعه من مختلف الديانات على طاولة واحدة دون اعتراف بواقع وجودها.

حوار المذاهب يعتبر تأمينا للأمة من الطائفية، وذلك دور ومنهج متقدم فكريا وضع لبناته الملك عبدالله، فهذا الحوار تعبير عن اعتراف بحقوق الجميع في خياراتهم ويستتبع ذلك التوازن في معادلة الحقوق والواجبات، وهو حوار ضروري لأنه يحتفظ بحيوية القواسم المشتركة التي تعمل كصمّام أمان للاختلاف، ما يعمل تلقائيا على إقصاء المتطرفين من أي مذهب والمستعصمين بعقائدهم في سلوكيات طائفية لا تخدم الدين أو الأمة أو المجتمعات أو الأوطان، ذلك فكر ينبغي تعزيزه والإبقاء على الحوار مشتغلا في الفضاء الديني والاجتماعي، لأن الطائفية تعمل على تآكل الخيارات المنطقية والاحترام المتبادل، ولا يمكن لمذهب من مذاهب الدين أن يشتعل بوقود النفخ العقدي الزائف الذي لا ينتهي إلى خير وسلام الناس.

في الواقع كثيرة هي الأعمال التي أنجزها فكر الملك عبدالله، رحمه الله، ولكن تبقى قيم الحوار التي أطلقها من أكثر المؤثرات التي تلعب الدور الفاعل في حركة الدين والناس، ونظل بحاجة إليها لأنها توفر لنا القدر الضروري من الطاقة التي تدفعنا إلى استدامة السلم الاجتماعي والديني، واستحضر في هذا السياق عبارة لأتاتورك يقول فيها “سلام في الوطن.. سلام في كل الدنيا”، وذلك منطقي لأن المكونات الاجتماعية حين تتصالح على أسس حوارية فإنها تبقى على وضع عقلي يجعلها تفكر في النتائج والعواقب على بصيرة واستدراك كامل لجميع التفاصيل، وذلك لأن الدين يقوم على مرتكزات عقلية، فنحن طالما نفكر فذلك يعني اختيارا عقليا بين بدائل، ما يضع الحوار في إطاره العقلي كأفضل سلوكياتنا للتعامل مع الأفكار السلبية مثل التطرف والطائفية وما يليهما من عواقب إرهابية وإجرامية.

من الضروري تطوير قيم الحوار في مساري الأديان والمذاهب، والانطلاق في إطار مؤسسي لا يصيبه خمول أو جمود، لأن السلام الاجتماعي قائم على ذلك، ولا مجال لإقصاء الطائفية من الفكر المجتمعي دون أدوات عقلية ينشط معها حوار يستوعب الاختلافات ويعوق تحولها إلى خلافات تخدم الطائفيين والغلاة من جميع المذاهب، ولعل ذلك مقصد الملك عبدالله، من النهايات الحتمية لفكر الحوار الذي أطلقه ورعاه وتبناه، انطلاقا من بعد نظر يرى أهمية اتفاق أبناء الدين الواحد على كلمة سواء وخط عملي يعصم المجتمعات من عوامل التفرقة، ولا يمكن السماح للتاريخ أن يعيد نفسه طالما هناك فرصة لكبح ذلك، وكل مجريات الحوار في أي صيغة كانت يمكنها أن تقارب المتباعدين وتحقق التعايش الضروري سواء في وطن واحد أو الأمة بكاملها.


كاتبة سعودية

8