فكّر لو شئت أن تُفكّر

الانقسام ما كان يجب أن يحصل والسلطة كان يجب أن تظل واحدة حتى ولو كانت أسوأ سلطة على وجه الأرض ولكن ليس لأننا نبكي على حائط قضية مقدسة وإنما احتراما للمبدأ.
السبت 2021/01/09
الشعارات والعنتريات لا تكفي

أيهما أصح: إنهاء الانقسام على أساس إجراء انتخابات؟ أم إجراء انتخابات على أساس إنهاء الانقسام؟

الفطرة والبداهة وحدهما سوف تدلانك على الأصح. ولكن دع الأمر للتفكير أيضا.

الانقسام الفلسطيني، ما كان يجب أن يحصل من الأساس. ولا حاجة لذكر أسبابه ولا عواقبه. إنه خطأ، ونقطة رأس السطر. فبحكم أن الشعب الفلسطيني واحد، فإن سلطته يجب أن تكون واحدة، كائنة ما كانت. هذا مبدأ. ولا حاجة حتى للبكائيات المتعلقة بطبيعة القضية الفلسطينية والمخاطر التي تهددها، وظروف الاحتلال.. الخ. المبدأُ كافٍ بحد ذاته، لأنه مبدأ.

سمِّ السلطةَ ما شئت. وأطلق عليها من الأوصاف ما شئت. لأن كل ما تسميه بها أو تطلقه عليها هو موضوع آخر، خارج عن حدود المبدأ.

ما من انتخابات محترمة إلا ويتعيّن أن تستند إلى أسس. في المجتمعات الهمجية يمكن للانتخابات أن تكون نظاما لتزوير الإرادات أو للعشائرية السياسية أو للضغوط غير المشروعة

قبول المبدأ، أو التسليم لسلطة واحدة، لا يمنع من معارضتها، ولا التدقيق في أعمالها، أو مراقبتها. تستطيع أن تفضح إذا اكتشفت خطيئة. وتستطيع أن تقول كل ما يتوجب عليك قوله في التنديد بمسالك السلطة حيال أي موقف تتبناه. ولكنها، هي بحد ذاتها، يجب ألا تنكسر. لأنك عندما تتولاها ذات يوم فإنها سوف تنكسر عليك أنت أيضا. فتدور الدائرة على نفسها إلى ما لا نهاية.

هل تريد دليلا على النضج؟ غالبية الشعب الأميركي لم تصوّت لصالح جورج بوش الابن، ولا لصالح دونالد ترامب. وحكما مُجتمعيْن 12 سنة. ولكنْ، لا الأميركيون، ولا حزبهم المعارض انقسم على السلطة أو قسّمها، حتى وهو يقود نحو نصف ولايات البلاد أو حتى عندما يملك الأغلبية في الكونغرس. لماذا؟ لأنهم شعب يحترم المبدأ. ومعارضته تحترم نفسها حيال ذلك المبدأ.

في المقابل، أي عندما تذهب الأمور إلى الشعوب والمعارضات التي لم تنضج بعد، فيمكنك أن تتوقع كل شيء، وأي شيء.

إذن، الانقسامُ، كائنة ما كانت أسبابه، ما كان يجب أن يحصل. والسلطة كان يجب أن تظل واحدة، حتى ولو كانت أسوأ سلطة على وجه الأرض. ولكن ليس لأننا نبكي على حائط قضية مقدسة نخاف عليها من الضياع، وإنما احتراما للمبدأ.

وفي الواقع، فإن سوء السلطة ووحدتها، مفيدان أكثر لك كمعارضة. ذلك لأن سوءها سوف يُورثها لك في النهاية. وعندما يحصل ذلك، فإنك سوف ترثها موحدة.

المبدأ الآخر، هو أن تكون سلطةَ مؤسسات، تحتكم إلى قيم القانون وتؤدي واجباتها بموجب القانون. ضع نقطة هنا، واذهب إلى رأس السطر، مرة أخرى. لأن مؤسسات أي سلطة هي ركيزة النظام ومقوماته، والقانون هو سقفها. إنها صلة الوصل بين السلطة وشعبها. كما أنها الأداة التنفيذية للعمل المطلوب من أي سلطة. فإذا تهدم ركنٌ، أو سقط السقف، سقط كل شيء. وستكون السلطةُ بذلك، سلطة فوضى وفشل (بالضبط كما تراها الآن في رام الله وغزة على حد سواء). وهذا مفيد أيضا لمن يعارضها ويتصدى لها بالدفاع عن قيم القانون والنظام والمبدأ.

ثم، ماذا عن الانتخابات؟ إنها يوم لفتح دفاتر الحساب في كل ما يتعلق بالعمل ونتائجه. ولكن انتخابات من دون الإقرار بمبدأ وحدة السلطة، والتسليم المسبق له، تعني أنك تراهن على الفوز. فإذا لم تفز عاد الانقسام ليتجدد.

هل تذكر أنك سميت السلطة ما شئت، وأطلقت عليها من الأوصاف ما شئت؟ إذا كنت تذكر، فالانتخابات هي يوم القيامة في كل ذلك. لا قبله ولا بعده؛ “لا قبله”، لأن الوقت سيكون مبكرا ويهدد المبدأ. و”لا بعده” لأن الأوان يكون قد فات على التغيير.

ولكن ما من انتخابات محترمة إلا ويتعيّن أن تستند إلى أسس. في المجتمعات الهمجية يمكن للانتخابات أن تكون نظاما لتزوير الإرادات أو للعشائرية السياسية أو للضغوط غير المشروعة، أو لغياب العدالة والمساواة بين المرشحين والناخبين. ولكن في مجتمع ناضج، فإن قيم العدالة والنزاهة والمساواة وحرية القول، هي الشيء الذي يتعين أن يكون مقدسا.

الشيء الآخر، هو ما يعرضه المتنافسون من برامج؛ هي الحلول التي يقترحونها للأزمات. هي الخيارات العملية التي يعرضون المضي بها إلى الأمام. وكل ذلك يتعين أن يُفضي إلى نتائج. أما إذا لم يفعل، أو إذا جاءت النتائج سلبية، فإن للسلطة يوم حساب آت.

ولقد جرت العادة في المجتمعات الهمجية، أن تكون الشعارات هي الأساس في الدعاية الانتخابية. الشعارات والعنتريات وما يثير الحماسة الزائفة. أما في المجتمعات المتحضرة، كالمجتمع الفلسطيني، فإن الشعارات والعنتريات لا تكفي. لأنك عندما ترفع شعارا للتحرير، فإن الناخب الفلسطيني سوف يسألك: كيف؟ فإذا قلت له “بالنضال المتواصل” و”المقاومة والتضحيات البطولية”، فإنه سيقول لك “عفا الله عما سلف؟”، لأنه جرّب ورأى إلى أين انتهى به الأمر، عندما كان الشعارُ فارغا وبلا مقومات ولا نتائج إيجابية. وساعتها، سوف يتعين عليك أن تقترح عليه إجراءات عملية يستطيع أن يراها قابلة للتنفيذ. وعندما يصل الأمر إلى المؤسسات، فإن معالجاتك العملية لمظاهر الفوضى والفشل والخلل، يجب أن تكون واضحة أيضا. وعلى سبيل المثال، فعندما تقول إنك سوف تحارب الفساد، فسوف يكون من الواجب عليك أن تقول لناخبيك كيف ستفعل ذلك، وعلى أي أسس. أما أن تطلق الشعار وتهرب به، فذلك يعني، كما دلت التجربة، أنك سوف تكون أفسد من كل الذين سبقوك. خذ تجربة العراق على سبيل المثال. إذ ما من رئيس وزراء جاء إلى السلطة بعد العام 2003، إلا وكان مناهضا للفساد، فإذا به من أفسد الفاسدين. لماذا؟ لأنه أطلق شعارا وهرب به.

مؤسسات أي سلطة هي ركيزة النظام ومقوماته. إنها صلة الوصل بين السلطة وشعبها. كما أنها الأداة التنفيذية للعمل المطلوب من أي سلطة. فإذا تهدم ركنٌ، أو سقط السقف، سقط كل شيء

إنهاء الانقسام، شيء صحيح، كيفما وضعته في المعادلة. وإجراء الانتخابات شيء صحيح أيضا. البداهة قد تعني شيئا قبل آخر. ولكن سواء جاءت الانتخابات أولا، أو جاءت تاليا، فإنها يجب أن تتم على أسس صحيحة على الأقل. أما أن لا تكسب هذا ولا ذاك، فإنها كارثة مزدوجة، لا تخفى عواقبها على كل ذي عقل.

فكّر، لو شئت أن تُفكّر. أما أن تدعو إلى انتخابات قبل الإقرار المسبق بوحدة السلطة، أو بلا أسس تكفل الحرية والعدالة والمساواة، أو تبني إنهاء الانقسام على رهانات الفوز، فلأنك في فوضى ذهنية تدور على نفسها إلى ما لا نهاية.

8