فك الاشتباك بين الصحافة المصرية والسلطة

الصحافيون أيضا مسؤولون عن وصول الصحافة إلى هذا الدرك، عبر تنازلين.. اقتصادي وسياسي، وبعد التنازلين لا مجال للكلام عن معايير مهنية.
الأربعاء 2020/09/02
مهنة في مفترق طرق

للصحافة في مصر، نظريا ودستوريا، سلطة تقترب مما تتمتع به سلطات أخرى يُجرّم من يسيء إلى أعضائها، أو يمسّ استقلالها، مثل القضاء. وفي التطبيق العملي يتراجع الآن هذا الاستقلال إلى حدود الاستحالة والإهانة. وإذا كان صحافي فرنسي من أصل أرمني قد نادى الرئيس إيمانويل ماكرون في الشارع، في يناير 2020، ودعاه إلى الاقتراب، وألا يخاف: “كن رجلا، وتعال تكلم مع مواطن”، وإذا قال مواطن لماكرون في يوليو 2020: “أنت موظف عندي، وسأصوّت ضدك”، فإن وزير النقل الفريق كامل وزير دفعه الغضب، في برنامج على الهواء في التلفزيون الحكومي، إلى إنهاء نقاش تلفوني مع صحافي يعمل مذيعا، فاكتفى بابتلاع الإهانة مع ما تيسّر من ريقه الجاف، ولم يستطع التعليق على إغلاق الخط أمام المشاهدين.

كيف وصلت الصحافة إلى هذا المستنقع؟ ليس في صدق التوصيف إساءة، فالانتقاع أو الاستنقاع تقرير عن حالة الضحالة، وتقدير دقيق لمهنة في مفترق طرق، ولم يبق لها إلا شبر أو أقل، من مياه راكدة لا تصلح للسباحة الصحافية الحرة، ولكن هذا القدر (بتسكين الدال وفتحها) يسمح بوجود بقايا مهنية توشك أن تنتهي، إلى أن يقرر الصحافيون أو الشعب أمرا آخر.

الصحافيون أيضا مسؤولون عن وصول الصحافة إلى هذا الدرك، عبر تنازلين.. اقتصادي وسياسي. في الأول يقبل بعضهم العمل مستشارا إعلاميا لوزير أو لمؤسسة حكومية أو خاصة. وظيفة بلا مهام لمستشار لا يستشار، ويكاد العمل الوهمي يكون رشوة لصحافيين صغار وآخرين رؤساء تحرير. وأما التنازل السياسي فيجعل من الصحافي موظفا لدى السلطة، بحجة عبور أزمة مؤقتة، كالحرب على عدو حقيقي أو مختلق. ومن يرضى بالسير في طريق فلا يحق له التراجع، أو رفض إملاءات جديدة للتبعية. وبعد هذين التنازلين لا مجال للكلام عن معايير مهنية، هي الحَكم، وجدار الصدّ أمام أي تغوّل أمني أو سياسي يستهدف الصحافة والصحافيين.

يفخر صحافيون مصريون، معظمهم رؤساء تحرير حاليون وسابقون، من العجائز سنا والعجزة المعاقين مهنيا، بنشر صورهم مع سفراء في حفلات استقبال في السفارات. ولا أظن تعاملهم غير المهني مع قضية قتل جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول في 2 أكتوبر 2018، استند إلى توجيه رسمي مصري، وإنما كان ذلك الصمت غير الجميل تطبيقا لنظرية استحياء العيون بعد إطعام الأفواه. ولا تزال صور هؤلاء بملابس الإحرام في مطار القاهرة، وفي الأراضي الحجازية، منشورة في صفحاتهم الفيسبوكية مصحوبة بالشكر للسفير الذي منحهم فرصة أداء الحج والعمرة، ولعل الدعوة تضمنت مآرب أخرى.

في “ذكريات” فاطمة اليوسف درسٌ لما يجب أن تكون عليه كبرياء الصحافي، في التعامل بنديّة مع أي مسؤول. فبعد الانتصار في الحرب العالمية الثانية زار رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل مصر، وطلب لقاء الصحافيين. ولاحظ الصحافي خليل ثابت (1871 ـ 1964) وجود مقعد واحد في المكان، وفهم أن المقعد لن يكون إلا للضيف الطاووس الذي يستضيفهم في السفارة البريطانية بالقاهرة، وسيكون على الصحافيين أن يقفوا، فاحتج خليل ثابت، وهدد بالخروج إذا لم يحضروا مقاعد للصحافيين، أو يرفعوا مقعد تشرشل. وانسحب من اللقاء قبل أن يبدأ.

سلوك خليل ثابت، وغيره من صحافيين دخلوا السجن في قضايا نشر، في العهد الملكي، لم يكن يحميه دستور يجعل الصحافة سلطة رابعة، كما كان يحلو لأنور السادات أن يتباهى. وينص دستور 1971 على أن “حرية الرأي مكفولة.. حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام مكفولة”، وأن الصحافة سلطة شعبية مستقلة. كما يقول الدستور نفسه “السلطة القضائية مستقلة.. القضاة مستقلون”. واحتفظ دستور 2014 للقضاء بهذه الحصانة، وأكد أن “التدخل في شؤون العدالة أو القضايا جريمة لا تسقط بالتقادم”، ولكنه تجاهل “سلطة” الصحافة، وارتهنها بأيدي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للصحافة، ونص على أن كلتيهما “هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري، وموازنتها مستقلة”.

سلوك خليل ثابت، وملاك الصحف، اعتمد على كفاءة مهنية يتسلح بها الصحافي، وعلى استقلال اقتصادي يراهن عليه الناشر في إعفاء صحافيي مؤسسته من “كسر العين” براتب شهري حكومي، أو إعانة هي في حقيقة الأمر رشوة. وكان الأداء المهني عملا ميدانيا يحتمي بالقارئ ويحتكم إليه، ولا ينتظر نصا قانونيا يذهب هباء أمام بطش حكومي. فلم يكن الملك فؤاد يبالي بمصادرة صحيفة وسجن صحافي، وهو محترف تعطيل للدستور، وفي عام 1925 عاش البرلمان بضع ساعات انتهت بكوميديا حله في يوم انعقاده. ورئيس الوزراء إسماعيل صدقي “عدو الشعب” ألغى دستور 1923، واستبدل به دستور 1930، ولم يتردد في مصادرة مجلة “روزاليوسف”، الصادرة في 5 أغسطس 1930 بعد الطبع، بسبب غلاف لفنان الكاريكاتير صاروخان (1898 ـ 1977)، عنوانه “حكم الإرهاب”، رسم فيه بلدا يحترق، ويدوسه إسماعيل صدقي، وفي يده مسدس يخرج من فوهته دخان، وتحته تعليق “إسماعيل صدقي يحكم البلاد بالعناصر الرشيدة: الحديد والنار”.

الآن لا صحافي يسجن؛ لأن أسباب السجن لا تتوفر حيث لا توجد الآن في مصر صحافة، ومن لا يعمل لا يخطئ. ومن المنبع يتم منع ما يؤدي إلى المحاكمة، وما يظن الرقيب الذاتي وغير الذاتي أنه سيغضب السلطة التنفيذية. جرى حبس صحافيين بدواعي نقص استيفاء إجراءات إدارية تخص مواقع يديرونها، وهي حجج غير مقنعة انتهت بإغلاق موقع ومصادرة مديره. وتتعامل السلطة التنفيذية مع المؤسسات الصحافية كابن عاقّ ومعاق.. عاقّ لا تضمن ولاءه التام، فلا تتيح له المعلومات لكي يمارس عمله بكفاءة. ومعاق لأنه لا ينتج، وهي تراه عبئا عليها، وتضعه دائما تحت ضغط شائعات عن بيع أصول ودمج مؤسسات.

وإذا كانت الهيئة الوطنية للصحافة “هيئة مستقلة…” بنص الدستور، فكيف يبحث رئيس الوزراء شؤون الصحافة التي يجب أن تمارس رقابة على أداء حكومته؟ ومَن أرسى الشعور بالهوان فيجعل الصحافيين ناشري بيانات السلطة التنفيذية، وحاملي أختامها؟

الإجابة تكمن في الاستقلال الاقتصادي والإداري والنقابي. وإذا أدى رئيس التحرير مهامه باستقلال القاضي، فسوف يتحرر سلوكه من شبهات “كسر العين”، والنموذج المثال هو أحمد بهاء الدين، فبعد انقلاب 15 مايو 1971 فوجئ بنقله من رئاسة مجلس إدارة مؤسسة دار الهلال ورئاسة تحرير مجلة “المصور”، إلى مؤسسة روزاليوسف، فكتب إلى الرئيس السادات رسالة غاضبة، مؤكدا أنه ليس “أحد اختراعات الثورة، فمن حقي أن يؤخذ رأيي في أي أمر يتصل بي شخصيا، فلا أقرأه في الصحف دون سابق علم ولا أتحرك كقطعة شطرنج من مكان إلى مكان بلا رغبة”.

مصير الصحافة الحالي يدفع البعض، من السذج، إلى الترحّم على العهد الملكي، ومن زاوية الصحافة يمكن الاتفاق معهم؛ فلا حافظنا على تقاليد “الملكية”، ولا بلغنا آفاق “الجمهورية”، وربما وجب فكّ هذا الاشتباك المفاهيمي، مع فكّ اشتباك الصحافة بالسلطة.

18