فك الالتباس بين مصر والأزمة السورية

الاثنين 2015/09/14

السياسة المصرية حيال الأزمة السورية، بدت خلال العامين الماضيين كأنها تمشي وسط حقل ألغام، حيث سعت للحفاظ على درجة متوازنة مع غالبية الأطراف الرئيسية، المحلية والإقليمية والدولية، وحاولت عدم الكشف عن توجهات نهائية حيال كل منها، حتى خيل لكثيرين أحيانا، أنها مع النظام وضده، ومع قوى المعارضة وضدها.

هذا التوجه كان مفهوما، لأن أوراق اللعبة السياسية والأمنية متداخلة وغامضة في آن واحد، كما أن القاهرة لم تكن تملك رفاهية إعلان الانحياز مباشرة لطرف ضد آخر، وعندما أعلنت مرارا تمسكها بوحدة الأراضي السورية، قامت بذلك وهي حريصة على ألا تظهر في صورة من يقف في خندق واحد مع نظام بشار الأسد.

في هذا البحر جرت مياه كثيرة، وتلاطمت عواصف شديدة، وارتفعت معدلات الرياح، بشكل اضطر أطرافا عدة إلى الكشف عن طبيعة مواقفها، فلم يعد بمقدور دولة أو جهة، أن تحافظ لفترة طويلة على درجة مرتفعة من الغموض، حيث دفعت التطورات جهات مختلفة إلى ضرورة اختيار المربع الذي تقف فيه، ورأينا ذلك مع تركيا، التي كشرت عن أنيابها باتجاه تنظيم داعش، بعد أن مسها أذاه مباشرة، عقب فترة لاحقت أنقرة فيها انتقادات، بسبب اتهامها بالليونة مع التنظيم الإرهابي.

روسيا من جانبها، كشفت عن أحد أهم وجوهها العسكرية في الأزمة السورية مؤخرا، وسبقتها إيران وحزب الله، ولا تزال السبحة تكر حباتها، لكل الجهات التي كانت مواقفها تتسم بقدر من الالتباس، أو بمعنى أدق الدول التي وقفت بجوار نظام بشار، أو معارضيه في الخفاء، بدأت تعلن ذلك في العلن تدريجيا، والآن أصبحت (تقريبا) كل المواقف واضحة، ولم تعد هناك حاجة للالتفاف حول الأزمة السورية.

بالطبع لكل دائرة ظروف، دفعت أصحابها لإخفاء موقفهم النهائي، كذلك لكل طرف حسابات أدت به إلى الكشف عن حقيقة رؤيته، وفي الحالتين، لعبت مجموعة من التقديرات، الداخلية والخارجية، دورا مهما في تحديد المعسكر الذي تقف فيه كل جهة، سواء مع أو ضد، أو حتى البقاء في المنطقة الرمادية، التي تسمح بتبني الموقف وعكسه.

خلال الأسابيع الماضية، لاحظ كثيرون أن مصر بدأت تتخلى عن حذرها النسبي تجاه الأزمة السورية، وأشارت جملة من التصرفات والممارسات والتصورات إلى أن القاهرة أضحت تقف إلى جوار نظام بشار الأسد، الأمر الذي ظهرت تجلياته في زيارات عدد من المسؤولين السوريين لمصر، خاصة الأمنيين، والحوارات والتصريحات التي ظهرت في وسائل إعلام مصرية، وأبرزها لقاءات وليد المعلم وزير الخارجية مع وفود صحافية بدأت تتوافد على دمشق مؤخرا.

مصر عدلت من توجهاتها، وتحررت من بعض القيود، التي كانت تعد كابحا أمام الإفصاح عن موقفها بشكل حاسم

ناهيك عن التقارير التي نشرتها صحف مصرية وركزت على الأبعاد الإنسانية في سوريا، وكانت في معظمها منحازة لصالح بشار، وحريصة على تناول الأزمة في إطار الشق الإرهابي، الذي تقوم به جماعات وتنظيمات متشددة، لها امتدادات وروافد خارجية، وغابت تقريبا رؤى ومطالب المعارضة الوطنية، وصنف عدد كبير منها في خندق عملاء ومتآمرين.

التغير الحاصل في الموقف المصري نحو الأزمة السورية، له تفسيرات عدة، أبرزها اهتزاز موقف النظام السوري، وتقدم قوات المعارضة، خاصة المحسوبة على داعش والنصرة، وكل التنظيمات الإسلامية المتشددة، والتي نجحت في الآونة الأخيرة في جذب واستقطاب قطاعات من الشباب المصري.

وهو ما ظهرت أصداء له في العمليات التي تقوم بها جماعات متطرفة في مصر، اقتداء بما يجري في الأراضي السورية، فالتقدم الذي يجري عليها يمثل ذخيرة لبث الروح المعنوية خارج سوريا، والخطورة سوف تستكمل حلقاتها، إذا تمكنت تنظيمات المعارضة، الإسلامية وغير الإسلامية، من إسقاط نظام بشار.

لذلك عدلت مصر من توجهاتها، لاسيما أنها حسمت الكثير من الملفات المحلية الشائكة، وتحررت من بعض القيود، التي كانت تعد كابحا أمام الإفصاح عن موقفها بشكل حاسم، في الأزمة السورية وغيرها من الأزمات الساخنة في المنطقة.

ترافق هذا التوجه مع متغيرين أشد أهمية، الأول توقيع إيران الاتفاق النووي مع الدول الكبرى، ومرجح أن يعزز مكانتها الإقليمية، وأثبت أن دورها في سوريا، كان عنصر إضافة لها في المراحل المختلفة للمفاوضات التي خاضتها، وتمسكها بالتواجد هناك من الممكن أن يستمر، بالتالي فالرهان على سقوط نظام الأسد قد يكون ضعيفا.

ومثل الالتقاء عند هذه النقطة بين القاهرة وطهران، أحد عوامل الجذب، التي تخفف من الاحتقان الموجود في أماكن أخرى، في الخليج واليمن تحديدا، خاصة أن مصر لم تندفع نحو الصدام مع إيران، وفقا لرغبة بعض حلفائها في الخليج العربي.

وتتعزز هذه المسألة، مع المتغير الثاني، أي رمي روسيا بجزء كبير من ثقلها في الأزمة السورية علانية، وأخذت الأمور تتجه لصالح نظام بشار، وسط ارتباك أصبح يخيم على مواقف المعسكر المناهض له، كما أن التفاهمات المتباينة بين القاهرة وموسكو، سواء الاقتصادية أو الأمنية، فتحت طاقة جديدة لتطويرها على الصعيد الإقليمي.

وربما تكون الأزمة في سوريا، واحدة من المحكات الرئيسية، التي بموجبها يمكن توقع المزيد من أوجه التعاون والتنسيق، في ظل تلاقي حسابات الطرفين، عند محاولة تحاشي النتائج الوخيمة، التي يمكن أن تترتب على سقوط نظام بشار، والتي قد تنعكس آثارها السلبية على كل من القاهرة وموسكو، في المدى المنظور. من زاوية عدم استبعاد تدفق التنظيمات المتشددة العابرة للحدود، برا وبحرا وجوا، بما يعيد للأذهان جيوش المتطرفين التي تسربت إلى دول كثيرة، وتحولت إلى نواة لجماعات إرهابية في الدول التي استوطنت فيها.

لكن المشكلة أن فرص تدفق هؤلاء يمكن أن تتزايد حال تحقيق بشار الأسد انتصارات عسكرية وسياسية كبيرة، بمعاونة حلفائه، ففي هذه الحالة أيضا سوف تكون فرص الانتشار في المدار الإقليمي ليست هينة، بمعنى أن التهديدات المتوقعة، التي تتخوف منها مصر، من فلول التنظيمات المتطرفة مطروحة، سواء في حال سقوط الأسد أو في استمراره.

كاتب مصري

8