فك الحصار عن الكتاب العراقي

السبت 2016/08/27

في الوقت الذي يحقّق فيه المثقف العراقي مكانة متميّزة ورائدة في مختلف صنوف الإبداع، تصرّ الجهات الحكومية المسؤولة عن الثقافة على تجاهل المطالب المتكررة والمتصاعدة والملحّة من أجل رفع الحصار الظالم والمبهم وغير المفهوم على الكتاب العراقي، الذي يشهد عزلة عربية وعالمية مقيتة بسبب تعليمات النظام السابق التي لم يحرّك أغلب المسؤولين الحاليين أيّ ساكن لإلغائها واستصدار تعليمات جديدة ومنصفة تنتصر للثقافة العراقية عموماً والكتاب العراقي بشكل خاص.

وفي الوقت الذي تفخر فيه دول العالم كافّة بمنجزها الإبداعي ومبدعيها، وتعمل على إبرازهم والاحتفاء بهم وتقديمهم في المحافل الدولية، وتقدّم التسهيلات تلو التسهيلات لهذا الغرض، بما في ذلك دعم شحن الكتب على متن طائرات الناقل الوطني وخدمات الشحن والبريد والإعفاءات الرقابية الروتينية، وفك ارتباط حركة نقل وتوزيع الكتاب من وزارة التجارة وربطها بوزارة الثقافة واتحاد الناشرين، تتقاعس الجهات المسؤولة عن الثقافة في العراق، وعلى رأسها وزارة الثقافة العراقية الحالية، عن رفع الحيف والظلم الذي طال الكتاب العراقي وأدّى إلى تدهور صناعته وعزلته والحيلولة دون مشاركته في معارض الكتاب العربية والدولية وحرمانه من الحماية وتضييع حقوق الناشر والمؤلف العراقي والتفريط بها.

لقد عقد اتحاد الناشرين العراقيين والكثير من المثقفين والمختصين والخبراء العراقيين العشرات من الندوات وورش العمل والمؤتمرات الساعية لتلافي هذا الخلل البنيوي والانحراف المشين وإعادة الاحترام والمكانة الرفيعة للكتاب والمؤلف العراقي، وتمخضت تلك الندوات واللقاءات عن الكثير من التوصيات الكفيلة بمعالجة الأمر، قُدّمت أغلبها إلى المسؤولين في وزارة الثقافة العراقية لمناقشتها، بما في ذلك السيّد وزير الثقافة نفسه، لكن لم تسفر تلك المناشدات عن أيّ نتيجة، سوى الوعود التي لم يتحقق أيّ شيء منها حتى الآن، الأمر الذي يدفع بالكثيرين لإعادة التفكير بالهدف الحقيقي والمشكوك فيه لهذا التجاهل والصمت أمام مطلب وطني وثقافي من الطراز الأوّل قد يشكل نوعاً من المساس بالسيادة الوطنية وإهانة الثقافة العراقية والمثقف العراقي بالدرجة الأولى.

لقد شهد الكتاب العراقي على مدى العقود السابقة انتشاراً واسعاً ومكانة مرموقة في العالم العربي والعالم، لجهة مستوى الطباعة والتأليف والقدرة على الانتشار والحضور، بينما شهدت تلك المكاسب في الأعوام الأخيرة للأسف تبدّداً مهولاً نتيجة لذلك التجاهل.

ولم يقتصر الأمر على التعليمات القديمة تلك، بل تقاعس المشرّع العراقي ولجنة الثقافة في البرلمان عن تشريع قوانين جديدة تتعلّق بحماية حقوق الملكية الفكرية وصونها، وهو أمر مطلوب من المنظمات الدولية الخاصّة بمنح الرقم المعياري الدولي الذي يصنّف الكتب ويوثّقها دولياً، بما يؤهلها للمشاركة في معارض الكتاب الدولية والعربية ويدخلها الأرشفة الدولية ويحمي حقوق مؤلفيها، الأمر الذي دفع بعدد من الناشرين العراقيين لاستحصال أرقام دولية من بعض الناشرين السوريين واللبنانيين، وهي عملية مختلة في الواقع ذلك لأن الرقم الدولي يتضمن أرقاماً خاصّة بالإقليم وأخرى خاصّة ببلد الناشر ناهيك عن أرقام خاصّة بطبيعة الكتاب وتصنيفه.

لقد تنادت مؤخراً مجموعة طيّبة من المثقّفين والمؤلفين والناشرين العراقيين ممن تعنيهم قضية الثقافة العراقية والكتاب العراقي للوقوف صفّاً واحداً من أجل فكّ هذا الحصار، حتّى تذعن الجهات الحكومية المسؤولة عن إدارة الثقافة في العراق الجريح لهذا المطلب العادل والمنصف والوطني من أجل إطلاق حريّة الكتاب العراقي وفكّ أسره وإعادة الاعتبار له، وذلك باستصدار تعليمات جديدة ومنصفة تلغي تعليمات النظام السابق الخاصّة بمنعه من التصدير، وتقديم كافّة التسهيلات والخصومات للناشرين على متن طائرات الخطوط الجوية العراقية وشركات النقل البريّ، ليحلّق نتاج العقول العراقية المبدعة في الفضاءات الرحبة.

كاتب من العراق

16