فك الحصار عن حلب ينشط آليات الحل الدبلوماسي

الاثنين 2016/08/08
تقدم تكتيكي في صراع على أحياء في حلب

بيروت – اعتبر دبلوماسيون أوروبيون أن معارك الأسابيع الأخيرة في حلب مثّلت في جانب منها شكلا من أشكال التخاطب بين القوى الإقليمية والدولية وأن لغة النار المستخدمة تسبق التفاهمات الجاري التوصل إليها في كواليس الدبلوماسية وغرف القرار.

ويرى خبراء عسكريون أن معركة فك الحصار عن حلب كشفت النقاب عن مجموعة من العوامل التي تتحكم بالمسار العسكري لقوى المعارضة في سوريا، وأثبتت قدرة هذه القوى على التحرك التكتيكي السريع وتحقيق إنجازات، ومرونة هذه القوى في التأقلم مع المتطلبات السياسية التي تحتاجها القوى الإقليمية والدولية في كرّها وفرّها الدبلوماسي.

وتضيف تلك الأوساط أن تصريحات قوات المعارضة عن نيتها الاستمرار في المعركة قد لا يعدو أن يكون إعلاميا يحتاج إلى ضوء آخر من مستويات عليا مشاركة في مداولات الكبار سيحدد مستقبل الصراع السوري.

وتعتبر هذه الأوساط أن الهجوم الذي شنته قوات النظام السوري مدعومة بقوات إيرانية وميليشيات تابعة لها وبتغطية جوية روسية كاملة كان يهدف إلى تقوية أوراق موسكو في ورشة التفاوض مع الولايات المتحدة. ويرى هؤلاء الدبلوماسيون أن موسكو لا تسعى فقط إلى تقوية أوراقها في سوريا، بل تسعى من خلال الميدان

السوري إلى تعزيز موقعها الدولي منذ العقوبات التي فرضت عليها والعزلة التي حشرت فيها منذ أزمة أوكرانيا وقيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم إلى أراضيها، حسب تصريحات نقلتها صحيفة نيويورك تايمز عن مايكل كوفمان، زميل مركز وودرو ويلسون في واشنطن.

وتلفت أوساط عسكرية قريبة من مقر الحلف الأطلسي أن تأملا للمعارك في حلب يفيد بأن الهجوم الذي شنّه النظام على حلب كان من ضمن المسموح به في ثنايا المفاوضات التي أجراها وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع نظيره الروسي سيرجي لافروف، ومن ضمن خارطة طريق تفضي إلى قيام غرفة تنسيق روسية أميركية مشتركة للقيام بجهد مخابراتي وعسكري موحّد ضد تنظيمي داعش والنصرة.

جيفري وايت: روسيا تمتلك شبكة معلومات توفر لها تفوقا استخباريا في سوريا

ومع ذلك يرى جيفري وايت أحد خبراء الأمن الأميركي أن روسيا باتت تمتلك في سوريا شبكة معلومات توفّر لها تفوّقا استخباراتيا يجعل استهداف نيرانها لفصائل المعارضة أكثر دقة وفعالية.

وتلاحظ تلك الأوساط أن نجاح الهجوم في السيطرة على طريق الكاستيللو يعود في جانب منه إلى عدم مشاركة فصائل أساسية في معارك الدفاع عن المدينة وعن خطّ تموين المعارضة.

ويعيد هذه الأطراف ذلك إلى تبلّغ المرجعيات الإقليمية لهذه الفصائل بمحدودية عمليات دمشق – موسكو وبطابعها التكتيكي المحسوب.

ورغم نفي مقرّبين من حزب العدالة والتنمية في تركيا أن تكون بلادهم قد قدّمت دعما عسكريا نوعيا استثنائيا للمعارضة لإنجاح معركة فك الحصار عن حلب، إلا أن مراقبين للشؤون التركية يرون في المعركة حاجة تكتيكية تركية عشية زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى روسيا غدا الثلاثاء، وأن أي تطوّر إيجابي في علاقة البلدين يحتاج إلى اتفاقات على أساس الندّية والمصالح المشتركة، وليس وفق اختلال موازين القوى بين الطرفين.

وترى أوساط سياسية قريبة من الرئيس أردوغان أن تركيا جادة في رفع مستوى العلاقة مع روسيا، وأن الاعتذار الذي قدّمه أردوغان للرئيس فلاديمير بوتين بشأن إسقاط المقاتلة الروسية يمثّل قرارا استراتيجيا وليس ظرفيا، وأن موقف موسكو المدين لمحاولة الانقلاب إضافة لما تردد عن تعاون استخباراتي بين البلدين في هذا الشأن، قد عزز من هذا الخيار، على النحو الذي لن تسمح به أنقرة بحصول أي انتكاسة بهذا الشأن من خلال المعارك في حلب.

ولا تبتعد بعض التحليلات في موسكو عن روحية ذلك، فقد سرّبت وسائل إعلام روسية عدم رضا الكرملين عن خطط دمشق وحلفائها في إسقاط مدينة حلب على ما بشرّ به الإعلام السوري والإيراني.

وذكر البعض من المحللين القريبين من الكرملين أن سلاح الجو الروسي خفف من طلعاته للدفاع عن المناطق التي تعرّضت لضغوط من المعارضة لفك الحصار عن حلب.

وقد فهم بعض المراقبين الروس أن المعارك في حلب ليست بعيدة عن تفاهمات مباشرة وغير مباشرة تجري بين موسكو وعواصم دولية وإقليمية، وأن وقوف المعارك عند حدود معينة قد يساعد في مباشرة آليات جديدة قد تكون مدخلا لحلّ الصراع في سوريا.

وترى مصادر أميركية أن معركة حلب أثبتت من جديد استحالة تحقيق حسم الأمور في سوريا عن طريق الأداة العسكرية، وأن أي تقدم سيحرزه أي طرف وما يمثله من مصالح إقليمية دولية سيردّ عليه من قبل طرف آخر وما يمثّله من مصالح إقليمية دولية.

وتستنتج هذه المصادر أن تركيا التي باشرت عملية لرأب الصدع مع موسكو بدأت تأخذ بعين الاعتبار هواجس موسكو ومصالحها في سوريا، بالمقابل فإن لروسيا مصلحة حقيقية في التفاهم مع تركيا واحترام حساسيتها ومصالحها في الشمال السوري، خصوصا لجهة قيام كيان كردي يمثّل امتدادا لحزب العمال الكردي في تركيا.

وتعتقد هذه الأوساط أن مسارعة واشنطن لإرسال رئيس أركان الجيش الأميركي في الوقت الذي كانت تشنّ فيه المعارضة السورية هجومها لفك الحصار عن حلب، هدف إلى إرسال رسائل ودّ وتواصل إلى تركيا وأخرى تذكّر موسكو بالأهمية التي توليها واشنطن لعلاقاتها مع أنقرة وأهمية تركيا ضمن المنظومة الأطلسية.

1