فك الشفرات الحيوية للأرض يحفظ بقاء الإنسان

مشروع عملاق لفهم كيفية انتظام الجينات وتسلسلها، والروبوت يساعد في جمع المواد الجينية.
الثلاثاء 2018/04/24
تجارب لقراءة الشفرة الوراثية والتعامل مع معطياتها

كاليفورنيا - فك شفرة جميع المخلوقات الأسمى خلال مدة عشر سنوات فقط، هو الهدف الطموح لمشروع علمي دولي عملاق.

يسعى القائمون على “مشروع الشفرة الحيوية للأرض” تحت إشراف علماء أحياء من الولايات المتحدة الأميركية للكشف عما يصل إلى 15 مليون جين (معرفة تسلسلها الجيني) بشكل كامل بتكلفة يتوقع أن تصل إلى نحو 4.7 مليار دولار.

وقدم هاريس ليون من جامعة كاليفورنيا في مدينة دافيس الأميركية وفريق باحثين دولي تصورهم عن المشروع الاثنين في مجلة “بروسيدنجز” التابعة للأكاديمية الأميركية للعلوم.

اعتبر الباحثون مشروعهم “صعودا إلى القمر بالنسبة لعلم الأحياء” ووصفوا المجموع الوراثي للمخلوقات بأنه “المادة المظلمة” بالنسبة لعلم الأحياء، في إشارة إلى المادة السوداء في الفضاء السحيق والتي لا تزال تمثل لغزا محيرا لعلماء الفلك.

وشهدت تسعينات القرن العشرين، تقدّما قويا في مشاريع التعرّف إلى التركيب الوراثي لعدد من الكائنات الحيّة وتوّجت هذه الجهود بالكشف عن التركيبة الوراثية (الجينية) للإنسان. يذكر أن عالم الكيمياء الحيوية الأميركي كريغ فينتر أعلن في السادس من أبريل سنة 2000 عن نجاحه في التعرف على معظم الجينات المكونة للجينوم البشري.

يتوقع العلماء أن يكون الناس على علم بقيم التنوع الحيوي وبالخطوات الممكن اتخاذها لحفظه واستخدامه

هذه الإنجازات ولدت سيولا من المعلومات المتطورة في مجال علم البيولوجيا، تضمنت الخارطة الجينية (أي الشفرة الوراثية) للكائنات المختلفة، والمركبات التي تتفاعل في الخلية مع تلك الشفرة، وما ينتجه ذلك التفاعل من بروتينات أساسية وأنزيمات وغيرها من المُركّبات المسؤولة عن قراءة الشفرة الوراثية والتعامل مع معطياتها، بما في ذلك نسخ المعلومات التي تحملها تلك الشفرة الحيّة والفريدة من نوعها.

وبعد أن استمر الكشف عن التسلسل الجيني للمجموع البشري لدى الإنسان من عام 1990 حتى عام 2003 يسعى الباحثون الآن لجمع البيانات الوراثية قدر الإمكان لمعظم كائنات حقيقيات النوى، وهي الكائنات التي يوجد مجموعها الوراثي كله في النواة. وتنتمي جميع الحيوانات والنباتات لهذه المخلوقات، بالإضافة إلى العديد من الكائنات وحيدة الخلية.

واليوم لا يكاد يمر شهر دون أن نقرأ أو نسمع عن نجاح العلماء في فك الشفرة الوراثية لأحد الكائنات أو النباتات.

وأوضح الباحثون أن نسبة 0.2 في المئة فقط من هذه المخلوقات هي التي تم فك شفرتها حتى الآن، وبحلول عام 2020 يتوقع العلماء أن يكون الناس على علم بقيم التنوع الحيوي وبالخطوات الممكن اتخاذها لحفظه واستخدامه على نحو مستدام.

يعرف العلماء من المخلوقات حقيقية النوى نحو 1.5 مليون كائن حتى الآن، بالإضافة إلى أن هناك وفقا للتقديرات نحو 10 إلى 15 مليونا من الأنواع أغلبها وحيدة الخلية؛ حشرات وحيوانات بحرية صغيرة.

كما يعتزم الباحثون تسجيل المجموع الوراثي لجميع الأنواع الحية المعروفة، إضافة إلى المجموع الوراثي لأنواع ليست معروفة حتى الآن. يشار إلى أن البكتريا والبكتريا القديمة، العتائق، ليست من بين المخلوقات حقيقية النوى. وأوضح جين روبينسون من جامعة إلينوي في مدينة أوربانا أن أبحاث المجموع الوراثي “ساعدت العلماء في تطوير عقاقير وتطوير مصادر جديدة للطاقة المتجددة وتغذية السكان المتزايدة أعدادهم وحماية البيئة ودعم بقاء البشرية ورفاهيتها”.

بانتظار تطورات علمية جدبدة
بانتظار تطورات علمية جدبدة

والفهم الأفضل لكيفية انتظام الجينات، ودورها في الخلية وفي تطور الكائنات، يفتح الباب لتصميم علاجات تتناسب مع المواصفات الوراثية للإنسان ولفهم المشاكل الصحية المترافقة مع التقدّم في العمر، كما أصبحت أداة لتحسين الكثير من التراكيب الوراثية لعدد كبير من المحاصيل الزراعية والحيوانات ذات الأهمية الاقتصادية.

ويعتقد الباحثون أن تضاعف المعلومات الجينية سيؤدي أيضا إلى تطورات علمية جديدة، حيث يشير أنصار الفكرة إلى مشروع المجموع الجيني البشري الذي يرون أنه حقق في الولايات المتحدة الأميركية وحدها نحو 140 ضعف الأموال التي استثمرت فيه.

ولكن مبررات الباحثين ليست اقتصادية بالدرجة الأولى “حيث أن مشروع  الشفرة الحيوية للأرض  سيتيح لنا إلقاء نظرة في التاريخ وتنوع الحياة وسيساعدنا على أن نفهم جيدا كيف نبقى”، حسبما أوضح روبينسون. ووفقا للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة فإن هناك نحو 23 ألفا من الأنواع المهددة بالانقراض.

ولتحقيق هدفهم لا يقتصر ليون وربينسون وزملاؤهما على مجرد ربط المشروعات التي يحاول أصحابها معرفة التسلسل الجيني لكائنات حية أكبر، بل سيشركون معهم أيضا مؤسسات علمية متخصصة في الحفاظ على الأنواع الحية، “حيث أن لدى الحدائق الراعية للمجموعات النباتية على مستوى العالم أكثر من ثلث الأنواع النباتية”، حسبما أكد روبينسون الذي يراهن هو ومن معه من الباحثين على تلقي مساعدة من العوام المهتمين بالبحث العلمي خلال البحث عن أنواع جديدة والحصول على عينات منها.

العشرية الأخيرة من القرن الماضي، تشهد تقدما قويا في علوم الوراثة والجينات، خصوصا في التعرّف على التركيب الوراثي لعدد من الكائنات الحيّة

كما يأمل الباحثون في استخدام الأجهزة ذاتية الحركة “روبوت” في اليابسة والبحر والجو لجمع مواد جينية. وقال الباحثون إن فك شفرة المجموع الوراثي لكائن حي يتكلف نحو ألف دولار فقط، ويتوقعون أن تستمر هذه التكلفة في الانخفاض مع استمرار التقدم العلمي والتقني.

ويحلم الباحثون بإعداد قاعدة بيانية تضم 200 مليون غيغا بايت من البيانات تسمح لجميع باحثي العالم بالوصول إليها، وذلك بفضل بروتوكول ناجويا بشأن الوصول إلى البيانات الجينية.

ويتوقع الباحثون أن “يكون هذا العلم مقدمة لاكتشافات مستقبلية للأجيال وأن يحسم في النهاية أمر استمرار الحياة على كوكب الأرض”. وأصبحت اتفاقية ناجويا الدولية للبيئة سارية المفعول اعتبارا من عام 2014 وتحدد الإطار الدولي للوصول إلى مصادر البيانات الجينية.

وتهدف المعاهدة إلى التقسيم العادل للمميزات الناتجة عن الاستفادة بالبيانات الجينية، بالإضافة إلى مكافحة قرصنة البيانات الحيوية بشكل فعال.

20